الباب الخامس في السرقة  


         
     
   

الباب الخامس

في

السرقة

(1)

 

   
     
         

         
     
   

(2)

 

   
     
         

         
     
   

تمهيد:

في عظم معصية السرقة

 

إنّ من الأمور التي يهتمّ بها الإسلام كثيرا ويؤكّد عليها، هو تأمين الناس على أموالهم وحقوقهم وأعراضهم ودمائهم، فلا يسمح لأحد أن يستولي على مال الآخر ويأكله من دون طيب نفس منه بأيّ طريق كان؛ مثل أن يأخذه خفية على سبيل الاستخفاء، أو كان ذلك على سبيل المغالبة والنهب أو الاختلاس أو تحت غطاء القانون أو سائر الطرق؛ وتدلّ على ذلك الآيات والأخبار الكثيرة التالية:

فمن الكتاب قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم»(1).

ومن الأخبار، حسنة أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام : «إنّ رسول اللهمصلىالله‏عليهو‏آله‏وسلم وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجّة الوداع ـ إلى أن قال ـ فقال: أيّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا اليوم، قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا: هذا الشهر، قال: فأيّ بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهمّ اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها؛ فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه، ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفّارا.»(2)


1 ـ النساء(4):29.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس،ح3،ج29،ص10 ـ وراجع: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب ظهر المؤمن حمىً إلاّ في حدّ أو حقّ،ج23،ص187.

(3)

 

   
     
         

         
     
   

وفي موثّقة سماعة، قال: «قال أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام : ليس بوليّ لي من أكل مال مؤمن حراما.»(1)

وغير ذلك من الأخبار الواردة في هذا المعنى.(2)

ثمّ إنّ السرقة إحدى من تلك الطرق الباطلة شرعا وعقلاً، ولها إطلاقان: إطلاق خاصّ، وهو الذي يشتمل على الشرائط الآتية، وعقوبته القطع؛ وإطلاق عامّ يشمل كلّ استيلاء على أموال الناس بغير حقّ، ويدخل فيه كلّ سرقة لم تتوفّر فيها شروط الحدّ أو درئ الحدّ فيها للشبهة التي يعاقب فيها بالتعزير على ما رآه الحاكم صالحا بحسبها.

واستعملت هذه الكلمة بمعناها العامّ في بعض النصوص؛ مثل ما رواه إسماعيل بن كثير بن سام، قال: «قال أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام : السرّاق ثلاثة: مانع الزكاة، ومستحلّ مهور النساء، وكذلك من استدان دينا ولم ينو قضاءه.»(3)

ثمّ إنّ العلماء يعنون عناية تامّة بالبحث عن الجرائم المعاقب عليها بحدّ أو قصاص، فيبيّنون أركان تلك الجرائم وشروطها ويفصّلون أحكامها، وأمّا الجرائم المعاقب عليها بالتعزير فلا يعنون بها تلك العناية ولا يتعرّضون إلاّ للمهمّ منها، ولعلّ ذلك لكون تحديد العقوبات فيها موكولاً إلى رأي الحاكم ويختلف النظر فيها باختلاف الأوضاع والشرائط. وعلى هذا فمحطّ البحث هنا هو السرقة بمعناها الخاصّ، وأمّا البحث عنها بمعناها العامّ فلا يقع إلاّ استطرادا وبنحو الإجمال.

وكيف كان، فإنّ السرقة حرام شرعا، بل حرمتها من ضروريّات الدين؛ والأصل فيها هو ما يستفاد من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب ما يكتسب به،ح2،ج17،ص81.

2 ـ راجع: نفس المصدر، الباب 77 من أبواب جهاد النفس،ح14،ج16،ص50؛ وكذا: الباب 78 منها،ح4 و 6،ص53.

3 ـ نفس المصدر، الباب 27 من أبواب حدّ السرقة،ح1،ج28،ص293.

(4)

 

   
     
         

         
     
   

أ ـ الكتاب وجريمة السرقة

1 ـ قوله عزّ وجلّ: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالاً من اللّه‏ واللّه‏ عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ اللّه‏ يتوب عليه إنّ اللّه‏ غفوررحيم»(1).

2 ـ قوله جلّ وعلا: «ياأيّها النبىّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يُشركن باللّه‏ شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك فى معروف فبايعهنّ واستغفر لهنّ اللّه‏ إنّ اللّه‏ غفور رحيم»(2).

 

ب ـ الأخبار وجريمة السرقة

إنّ الأخبار الدالّة على حرمة الجريمة المذكورة بل كونها من الكبائر كثيرة، نأتي ببعضها هنا، وهي:

1 ـ خبر إسماعيل بن مسلم ـ وهو السكونيّ المعروف ـ عن الصادق، عن آبائه عليهم‏السلام، قال: «قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : أربع لا تدخل بيتا واحدة منهنّ إلاّ خرب ولم يعمر بالبركة: الخيانة، والسرقة، وشرب الخمر، والزنا.»(3)

2 ـ خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه‏السلام ، قال: «قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن.»(4)

وروي نحوه في المستدرك في عدّة روايات، منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه‏السلام في


1 ـ النساء(4):29.

2 ـ الممتحنة(60):12.

3 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب حدّ السرقة،ح3،ج28،ص242.

4 ـ نفس المصدر،ح4؛ وراجع أيضا لنحوه: الباب 46 من أبواب جهاد النفس،ح3 و 18 و 19،ج15،صص321 و 325.

(5)

 

   
     
         

         
     
   

حديث: «ولقد قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، إذا فعل شيئا من ذلك خرج منه روح الإيمان.»(1)

3 ـ خبر محمّد بن سنان عن الرضا عليه‏السلام فيما كتب إليه من العلل، وفيه: «... وحرّم السرقة لما فيها من فساد الأموال وقتل الأنفس لو كانت مباحة، ولما يأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد وما يدعو إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب واقتناء الأموال إذا كان الشيء المقتنى لا يكون أحد أحقّ به من أحد.»(2)

4 ـ موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام في قول اللّه‏ عزّ وجلّ: «الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم»(3) فقال: «الفواحش: الزنا والسرقة، واللمم: الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللّه‏ منه...»(4)

5 ـ وما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‏السلام في كتابه إلى المأمون، وفيه: «... واجتناب الكبائر، وهي: قتل النفس التي حرّم اللّه‏ تعالى، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر...»(5)

6 ـ ما رواه في المستدرك عن عوالي اللآلي عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، قال: «لعن اللّه ‏السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده.»(6)

والبيضة هنا هي الخوذة، وليس المراد بيضة الدجاجة كما قد يتخيّل، بل هي بيضةحديد، كما سيأتي في جملة من الروايات.(7)


1 ـ مستدرك الوسائل، الباب 1 من أبواب حدّ السرقة،ح1،ج18،ص119؛ وراجع أيضا: ح3 و 4 و 6،ص120.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب حدّ السرقة،ح2،ج28،صص241 و 242.

3 ـ النجم(53):32.

4 ـ وسائل الشيعة، الباب 46 من أبواب جهاد النفس،ح11،ج15،ص323.

5 ـ نفس المصدر،ح33،ص329.

6 ـ مستدرك الوسائل، المصدر السابق،ح5،ص120.

7 ـ راجع: وسائل الشيعة، الباب 2 من أبواب حدّ السرقة،ح10،ج28،ص246.

(6)

 

   
     
         

         
     
   

وروى مثله ابن ماجة في سننه عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .(1)

إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا المجال، ومنها الروايات الآتية الدالّة على عقوبة السارق بالقطع، حيث إنّه لا عقوبة إلاّ بعد تحريم الفعل.

هذا مضافا إلى إجماع المسلمين من الخاصّة والعامّة على حرمة عمل السرقة، وعلى قطع يد السارق إجمالاً، جزاءا بما كسب ونكالاً من اللّه‏ تعالى.

بل فحريّ أن يقال: إنّ حرمتها وقبحها وشناعتها، ممّا يستقلّ به العقل، وتحكم بها الفطرة السليمة الإنسانيّة، لأنـّها تعدّ من أبشع وأقبح أنواع الظلم والتعدّي، ولأنـّها تسبّب مفاسد كثيرة غير مخفيّة على كلّ ذي لبّ.

أجل، قد يطعن في حكم الشريعة هنا ويقال: إنّ اليد إذا اعتدي عليها فقطعت، تقوّم في الدية بخمسمائة دينار من الذهب الخالص، فكيف تقطع في سرقة ربع دينار، وهو مال حقير، وقد ذكروا أنّ أحمد بن عبداللّه‏ بن سليمان، الشهير بـ : «أبي العلاء المعرّي» الملحد المضطرب النفس والعقيدة، لمّا قدم بغداد اشتهر عنه أنـّه أورد الإشكال المذكور، ونظم في ذلك شعرا دلّ على جهله وقلّة عقله، فقال:

«يد بخمس مئين عسجد(2)وُديت

ما بالها قُطعت في ربع دينار

تحكّمٌ(3) ما لنا إلاّ السكوت له

وأن نعوذ بمولانا من النار»

فأجابه جمع من الفقهاء، فمثلاً قال القاضي عبدالوهّاب المالكي في جوابه:

«لمّا كانت أمينة كانت

ثمينة ولمّا خانت هانت»(4)

وأجابه علم الدين السخاوي بقوله:


1 ـ راجع: سنن ابن ماجة،ج2،ص862، الرقم 2583.

2 ـ العَسْجَد: الذهب.

3 ـ في بعض المصادر: «تناقضٌ» بدل «تحكّمٌ.»

4 ـ الفقه على المذاهب الأربعة،ج5،ص205.

(7)

 

   
     
         

         
     
   

«عزّ الأمانة أغلاها، وأرخصها

ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري»(1)

ويقال: إنّه أجابه بذلك السيّد المرتضى علم الهدى رحمه‏الله .

وأيضا أجابه شمس الدين الكرديّ بقوله:

«قل للمعرّي عارٌ أيّما عار

جهل الفتى وهو عن ثوب التُقى عار

لا تقدحنّ زناد الفكر في حكم

شعائر الشرع لم تقدح بأشعار

فقيمة اليد نصف الألف من ذهب

فإن تعدّت فلا تسوى بدينار»(2)

وقد سبق المعرّي في التساؤل المذكور بعض الزنادقة، بدليل ردّ الشافعيّ عليه بقوله:

«هناك مظلومة غالت بقيمتها

وههنا ظَلَمت، هانت على الباري»(3)

ومعلوم أنّ المعرّي ـ المتوفّى سنة 449 ـ متأخّر عن الشافعيّ ـ المتوفّى سنة 204 ـ عصرا.

وأيضا أجابه السيّد أبو الرضا الراوندي على ما نقله قطب الدين الراوندي بقوله:

«اللّه‏ قوّمها تقويم خمس مئي

زجرا لقاطعها، دفعا لإضرار

وقد رأى قطعها في الربع مصلحة

في حفظ مال الورى يا أيّها الزاري(4)»(5)


1 ـ روح المعاني في تفسير القرآن،ج6،ص120.

2 ـ الفقه الإسلامي وأدلّته،ج6،ص98، الهامش 3.

3 ـ نفس المصدر،ص99.

4 ـ أي المعاتب؛ زرى عليه: عاتبه أو عابه عليه.

5 ـ فقه القرآن،ج2،ص384.

(8)

   
     
         

         
     
     

النظر الأوّل

في

شرائط وجوب الحدّ

(9)

 

   
     
         

         
     
   

(10)

 

   
     
         

         
     
     

الفصل الأوّل

في

ما يعتبر في السارق

(11)

 

   
     
         

         
     
   

(12)

 

   
     
         

         
     
   

قال المحقّق رحمه‏الله :

 

«الباب الخامس: في حدّ السرقة؛ والكلام في السارق، والمسروق، والحجّة، والحدّ، واللواحق.

الأوّل: في السارق

ويشترط في وجوب الحدّ عليه شروط:

الأوّل: البلوغ؛ فلو سرق الطفل، لم يحدّ ويؤدّب، ولو تكرّرت سرقته. وفي النهاية: يعفى عنه أوّلاً، فإن عاد أدّب، فإن عاد حكّت أنامله حتّى تدمي، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع الرجل، وبهذا روايات.

الثاني: العقل؛ فلا يقطع المجنون ويؤدّب وإن تكرّرت منه.

الثالث: ارتفاع الشبهة؛ فلو توهّم الملك فبان غير مالك، لم يقطع. وكذا لو كان المال مشتركا فأخذ ما يظنّ أنـّه قدر نصيبه.

الرابع: ارتفاع الشركة؛ فلو سرق من مال الغنيمة، فيه روايتان، إحداهما: لا يقطع، والأخرى: إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدرالنصاب، قطع؛ والتفصيل حسن. ولو سرق من المال المشترك قدر نصيبه، لم يقطع، ولو زاد بقدر النصاب قطع.

الخامس: أن يهتك الحرز، منفردا كان أو مشاركا؛ فلو هتك غيره

(13)

 

   
     
         

         
     
   

وأخرج هو، لم يقطع.

السادس: أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا. ويتحقّق الإخراج بالمباشرة، وبالتسبيب؛ مثل أن يشدّه بحبل ثمّ يجذبه من خارج، أو يضعه على دابّة، أو على جناح طائر من شأنه العود إليه. ولو أمر صبيّا غير مميّز بإخراجه، تعلّق بالآمر القطع، لأنّ الصبيّ كالآلة.

السابع: أن لا يكون والدا من ولده؛ ويقطع الولد لو سرق من الوالد، وكذا يقطع الأقارب، وكذا الأمّ لو سرقت من الولد.

الثامن: أن يأخذه سرّا؛ فلو هتك قهرا ظاهرا وأخذ، لم يقطع، وكذا المستأمن لو خان، ويقطع الذمّيّ كالمسلم والمملوك مع قيام البيّنة. وحكم الأنثى في ذلك كلّه حكم الذكر.»(1)


1 ـ شرائع الإسلام،ج4،صص159 و 160.

(14)

 

   
     
         

         
     
   

الأمر الأوّل:

في اشتراط البلوغ

 

قال المحقّق رحمه‏الله :

«الأوّل: البلوغ؛ فلو سرق الطفل، لم يحدّ ويؤدّب، ولو تكرّرت سرقته. وفي النهاية(1): يعفى عنه أوّلاً، فإن عاد أدّب، فإن عاد حكّت أنامله حتّى تدمي، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع الرجل، وبهذا روايات.»(2)

يظهر لمن تتبّع كلمات الأصحاب رحمهم‏الله في مسألة سرقة الطفل أنّ عمدة كلامهم يرجع إلى قولين، وهما:

القول الأوّل: إنّه إذا سرق الصبيّ لم يحدّ ولم يقطع بل يؤدّب ويعزّر ولو تكرّرت سرقته؛ وهذا مقولة الماتن رحمه‏الله هنا، وفي كتابيه الآخرين.(3) وقد سبقه على ذلك الشيخ المفيد وابن إدريس رحمهماالله .(4) ويظهر هذا من كلام الشيخ الطوسيّ رحمه‏الله أيضا في المبسوط(5).


1 ـ راجع: النهاية،ص716.

2 ـ شرائع الإسلام،ج4،ص159.

3 ـ راجع: النهاية ونكته،ج3،ص324 ـ المختصر النافع،ص223.

4 ـ راجع: المقنعة،ص803 ـ كتاب السرائر،ج3،ص485.

5 ـ راجع: المبسوط،ج8،ص21.

(15)

 

   
     
         

         
     
   

وتبع الماتن في هذا القول جمع ممّن تأخّر عنه، كالعلاّمة في أكثر كتبه وولده فخر الإسلام والشهيد الأوّل رحمهم‏الله في اللمعة وغيرهم، بل ذكر الشهيد الثاني رحمه‏الله في المسالك والمحقّق الأردبيليّ رحمه‏الله في المجمع أنّ هذا القول هو المشهور بين المتأخّرين.(1)

واستدلّ لهذا القول بالأمور التالية:

أ ـ البراءة الأصليّة.

وأجيب عنه: أنّ الأصل لا وجه له بعد شمول العمومات.

ب ـ إنّ الصبيّ غير مؤاخذ شرعا على أقواله ولا على أفعاله، لأنـّه لا يحرم عليه شيء ولا يجب عليه شيء، لقوله عليه‏السلام : «... إنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبيّ حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ.»(2)

وأجاب عنه المحقّق الخونساريّ رحمه‏الله بقوله: «وأمّا حديث رفع القلم فالتمسّك به في المقام مشكل؛ لإمكان أن يكون ترتّب الحدّ على السرقة كترتّب لزوم الغسل على الجنابة من غير فرق بين البالغ وغير البالغ.»(3) فعلى رأيه يحتمل أن يكون قطع أصابع الأطفال بعد البلوغ، كما أنّ الأمر كذلك في الغسل فيما إذا صار الطفل جنبا قبل البلوغ.

ويرد عليه: أنّ الغسل ليس من باب العقوبة، بل هو نظير التطهير من الخبث فيما إذا


1 ـ راجع: تبصرة المتعلّمين،ص197 ـ إرشاد الأذهان،ج2،ص181 ـ تحرير الأحكام،ج5،ص351، مسألة 6836 قواعد الأحكام،ج3،ص554 ـ إيضاح الفوائد،ج4،ص520 ـ اللمعة الدمشقيّة،ص261 مسالك الأفهام،ج14،ص478 ـ الروضة البهيّة،ج9،ص222 ـ مجمع الفائدة والبرهان،ج13،ص213 التنقيح الرائع،ج4،ص373 ـ كشف الرموز،ج2،ص572 ـ مفاتيح الشرائع،ج2،ص90، مفتاح 542 رياض المسائل،ج16،ص84 ـ كشف اللثام،ج2،ص419 ـ جواهر الكلام،ج41،ص476 ـ تحرير الوسيلة،ج2،ص482،الأمر الأوّل من مسألة 1.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات،ح11،ج1،ص45.

3 ـ جامع المدارك،ج7،ص131.

(16)

 

   
     
         

         
     
   

تنجّس بدنه قبل بلوغه، فأين هذا من الحدّ الذي هو مؤاخذة وعقوبة؟!

ج ـ بعض الأخبار؛ مثل ما رواه السكونيّ عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «أتي عليّ عليه‏السلام بجارية لم تحض قد سرقت، فضربها أسواطا ولم يقطعها.»(1) وروي نحوه عن ابن مسعود عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على ما ذكره فخر الإسلام رحمه‏الله .(2)

وفيه: أنـّه ولو اعتبرناه سندا ولكن لا نسلّم دلالته، لجواز كونها أوّل مرّة من دون تكرّر سرقتها.

القول الثاني: إنّه تقطع يد الصبيّ مع تكرّر سرقته في الجملة كما يقطع الرجل سواء؛ ذهب إلى هذا الرأي الشيخ الطوسيّ رحمه‏الله في بعض كتبه(3) وجمع ممّن تأخّر عنه، وقد سبقه على ذلك الشيخ الصدوق رحمه‏الله ؛ بل ذكر العلاّمة رحمه‏الله في المختلف(4) اشتهار هذا القول بين علمائنا وفتوى أكثرهم به، وفي الروضة: «وعليه الأكثر»(5).

نعم، يختلف رأي القائلين بهذا القول في جهات، منها: في المرتبة التي تقطع فيها يد الصبيّ، ومنها: في المرّات التي يعفى عنه، ومنها: في العقوبة التي يعاقب بها قبل القطع بعد العفو عنه في المرّات السابقة، وبالجدير أن ننقل كلام بعض هؤلاء الأعلام في هذا المجال:

قال الصدوق رحمه‏الله : «والصبيّ إذا سرق مرّة يعفى عنه، فإن عاد قطعت أنامله أو حكّت حتّى تدمي، فإن عاد قطعت أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك.»(6)


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة،ح6،ج28،ص295؛ وراجع في هذا المجال: مستدرك الوسائل، الباب 26 من أبواب حدّ السرقة،ح6 و 10،ج18،صص143 و 144.

2 ـ راجع: إيضاح الفوائد،ج4،ص520.

3 ـ راجع: النهاية،ص716 ـ الاستبصار،ج4،ص249، ذيل ح945.

4 ـ راجع: مختلف الشيعة،ج9،ص218، مسألة 76.

5 ـ الروضة البهيّة،ج9،ص222.

6 ـ المقنع،ص446.

(17)

 

   
     
         

         
     
   

وقد مرّ مفاد كلام الشيخ الطوسيّ في عبارة الماتن، ومثله كلام ابن حمزة في الوسيلة، وكلام القاضي ابن البرّاج على ما نسبه إليه فخر الإسلام، وكلام العلاّمة في المختلف وابن فهد الحلّي رحمهم‏الله .(1)

وقال أبو الصلاح الحلبيّ رحمه‏الله : «وإذا ثبت سَرَقُ الصبيّ هدّد في الأوّلة، وحكّت أصابعه بالأرض حتّى تدمي في الثانية، وقطعت أطراف أنامله الأربع من المفصل الأوّل في الثالثة، ومن المفصل الثاني في الرابعة، ومن أصول الأصابع في الخامسة.»(2) ونحوه كلام أبي المكارم ابن زهرة رحمه‏الله قائلاً: «وقد روى أصحابنا...»(3)

وسيظهر بما سيأتي من الأخبار أنّ النصوص تخالف هذا التفصيل، وكلام ابن زهرة رحمه‏الله وإن أشعر بالإجماع عليه إلاّ أنـّه موهون بمخالفة الأصحاب.

وقال يحيى بن سعيد الحلّيّ رحمه‏الله : «وإذا سرق صبيّ عفي عنه، فإن عاد عزّر، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك. وأتي عليّ عليه‏السلام بغلام يشكّ في احتلامه فقطع أطراف أصابعه.»(4)

وقال المحقّق الخوئيّ رحمه‏الله : «فلو سرق الصبيّ لا يحدّ، بل يعفى في المرّة الأولى، بل الثانية أيضا، ويعزّر في الثالثة أو تقطع أنامله أو قطع من لحم أطراف أصابعه أو تحكّ حتّى تدمي إن كان له سبع سنين، فإن عاد قطع من المفصل الثاني، فإن عاد مرّة خامسة قطعت أصابعه إن كان له تسع سنين؛ ولا فرق في ذلك بين علم الصبيّ وجهله بالعقوبة.»(5)

وسيظهر أنـّه قد جمع بذلك بين الأخبار الواردة في المسألة.


1 ـ راجع: الوسيلة،ص418 ـ إيضاح الفوائد،ج4،ص519 ـ مختلف الشيعة، المصدر السابق ـ المقتصر،ص411.2 ـ الكافي في الفقه،ص411.

3 ـ غنية النزوع،ص434.

4 ـ الجامع للشرائع،ص563.

5 ـ مباني تكملة المنهاج،ج1،صص279 - 283.

(18)

 

   
     
         

         
     
   

وأمّا القائلون بهذا القول فقد تمسّكوا بالأخبار الواردة في المقام، بل ربما ذكر بعضهم بعض تلك الأخبار نفسها في مقام الإفتاء، وإليك نبذة منها:

1 ـ صحيحة عبداللّه‏ بن سنان، قال: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الصبيّ يسرق؟ قال: يعفى عنه مرّة ومرّتين ويعزّر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك.»(1)

2 ـ صحيحة أخرى عن عبداللّه‏ بن سنان، عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام : «في الصبيّ يسرق، قال: يعفى عنه مرّة، فإن عاد قطعت أنامله(2) أو حكّت حتّى تدمي، فإن عاد قطعت أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك.»(3)

وبمفادها أفتى الصدوق رحمه‏الله فيما مرّ من قوله.

3 ـ حسنة الحلبيّ، عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «قال: إذا سرق الصبيّ عفي عنه، فإن عاد عزّر، فإن عاد قطع أطراف الأصابع، فإن عاد قطع أسفل من ذلك. وقال: أتي عليّ عليه‏السلام بغلام يشكّ في احتلامه، فقطع أطراف الأصابع.»(4)

وقد مرّ إفتاء يحيى بن سعيد الحلّي رحمه‏الله طبق هذه الرواية.

4 ـ صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليهماالسلام ، قال: «سألته عن الصبيّ يسرق؟ فقال: إذا سرق مرّة وهو صغير عفي عنه، فإن عاد عفي عنه، فإن عاد قطع بنانه، فإن عاد قطعأسفل من ذلك.»(5)


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة،ح1،ج28،ص293.

2 ـ الأنامل: جمع أنملة؛ بتثليث الهمزة والميم، فهي من اللغات التي يقال فيها: «العبوا بها» ومعناها: رأس الأصابع؛ وقيل: المفصل الأعلى الذي فيه الظفر.

3 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح7،ص295.

4 ـ نفس المصدر،ح2 و 3،ص294.

5 ـ نفس المصدر،ح4.

(19)

 

   
     
         

         
     
   

هذا في نقل الكلينيّ، ورواه الشيخ الطوسيّ رحمهماالله أيضا إلاّ أنّ في نقله: «إذا سرق مرّة وهو صغير عفي عنه، فإن عاد قطع بنانه، فإن عاد قطع أسفل من بنانه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك.»(1)

قال الراغب الإصفهانيّ: «البَنان: الأصابع، قيل: سمّيت بذلك لأنّ بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها؛ يريد: أن يقيم بها، ويقال: أبَنَّ بالمكان، يُبِنّ...»(2)

5 ـ مرسلة محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر عليه‏السلام عن الصبيّ يسرق، قال: إن كان له تسع سنين قطعت يده، ولا يضيع حدّ من حدود اللّه‏ تعالى.»(3)

6 ـ خبر آخر لمحمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر عليه‏السلام عن الصبيّ يسرق؟ فقال: إن كان له سبع سنين أو أقلّ رفع عنه، فإن عاد بعد سبع سنين قطعت بنانه أو حكّت حتّى تدمي، فإن عاد قطع منه أسفل من بنانه، فإن عاد بعد ذلك وقد بلغ تسع سنين قطع يده، ولا يضيع حدّ من حدود اللّه‏ عزّ وجلّ.»(4)

والخبر مجهول سندا بـ : «محمّد بن عبداللّه‏ بن هلال» الواقع في طريقه.

7 ـ خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن عليه‏السلام ، قال: «قلت: الصبيّ يسرق؟ قال: يعفى عنه مرّتين، فإن عاد الثالثة قطعت أنامله، فإن عاد قطع المفصل الثاني، فإن عاد قطع المفصل الثالث وتركت راحته وإبهامه.»(5)

والخبر ضعيف بـ : «القاسم بن محمّد» وهو الجوهريّ الذي وقع في طريقه.

8 ـ صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه عليه‏السلام ، قال: «سألته عن الصبيّ يسرق، ما عليه؟


1 ـ تهذيب الأحكام،ج10،ص119،ح474.

2 ـ مفردات ألفاظ القرآن،ص147.

3 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح10،ص296.

4 ـ نفس المصدر،ح12،ص297.

5 ـ نفس المصدر،ح15،ص298.

(20)

 

   
     
         

         
     
   

قال: إذا سرق وهو صغير عفي عنه، وإن عاد قطعت أنامله، وإن عاد قطع أسفل من ذلك أو ما شاء اللّه‏.»(1)

9 ـ مرسلة زرارة، قال: «سمعت أبا جعفر عليه‏السلام يقول: أتي عليّ عليه‏السلام بغلام قد سرق فطرّف أصابعه، ثمّ قال: أما لئن عدت لأقطعنّها، ثمّ قال: أما أنـّه ما عمله إلاّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم  وأنا.»(2)

و«الطرف» هو اللطم باليد على ما ذكره الطريحيّ في مجمع البحرين(3)، وقال المحدّث الكاشانيّ في الوافي: «طرّف أصابعه، تطريفا: خضبها؛ أراد أنـّه خضبها بدمه»(4)، وقال الفيّوميّ: «طرّفت المرأة بنانها، تطريفا: خضبت أطراف أصابعها»(5).

10 ـ خبر محمّد بن خالد بن عبداللّه‏ القسريّ، قال: «كنت على المدينة فأتيت بغلام قد سرق، فسألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عنه، فقال: سله حيث سرق هل كان يعلم أنّ عليه في السرقة عقوبة؟ فإن قال: نعم، قيل له: أيّ شيء تلك العقوبة؟ فإن لم يعلم أنّ عليه في السرقة قطعا فخلّ عنه، فأخذت الغلام وسألته فقلت له: أكنت تعلم أنّ في السرقة عقوبة؟ قال: نعم، قلت: أيّ شيء هو؟ قال: أضرب(6) فخلّيت عنه.»(7)

والخبر ضعيف بـ : «محمّد بن خالد بن عبداللّه‏ القسريّ»، فقد ذكر المجلسي رحمه‏الله أنـّه


1 ـ نفس المصدر،ح16.

2 ـ نفس المصدر،ح8،ص295.

3 ـ مجمع البحرين،ج5،ص89.

4 ـ الوافي،ج15،ص451.

5 ـ المصباح المنير،ص371.

6 ـ في تهذيب الأحكام،ج10،ص121،ح482 والكافي،ج7،صص233و234،ح11: «الضرب» بدل «أضرب».

7 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح11،صص296 و 297.

(21)

 

   
     
         

         
     
   

كان من ولاة بني أميّة، وذمّه كثيرا(1).

11 ـ موثّقة سماعة، قال: «إذا سرق الصبيّ ولم يبلغ الحلم قطعت أنامله؛ وقال أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام : أتي أمير المؤمنين عليه‏السلام بغلام قد سرق ولم يبلغ الحلم، فقطع من لحم أطراف أصابعه، ثمّ قال: إن عدت قطعت يدك.»(2)

12 ـ موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي إبراهيم عليه‏السلام : الصبيان إذا أتي بهم عليّ عليه‏السلام قطع أناملهم، من أين قطع؟ فقال: من المفصل، مفصل الأنامل.»(3)

إلى غير ذلك من النصوص الواردة في المقام وإن كان أكثرها غير معتبرة سندا.(4)

ولا يخفى أنـّه لا منافاة بين الرواية الأخيرة ونظائرها(5) وبين الأخبار الماضية الدالّة على ثبوت قطع أصابع الصبيّ إذا تكرّرت سرقته.

أقول: هذه الأحاديث كما ترى متضاربة متهافتة، كما أنّ الأمر كذلك في فتاوى الفقهاء، ونحن لم نظفر على رواية تدلّ على مقولة الشيخ الطوسيّ رحمه‏الله ومن تبعه بالتفصيل المذكور، وكذا ما يدلّ على فتوى أبي الصلاح الحلبيّ رحمه‏الله .

ولأجل التهافت بين النصوص واشتمالها على الترديد، قد تصدّى جمع من الأعلام لتأويلها أو حملها على إرادة التأديب بنظر الحاكم، وإليك كلام بعضهم:

قال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : «والذي أراه تعزير الصبيّ، والاقتصار على ما يراه الإمام أردع له. وقد اختلفت الأخبار في كيفيّة حدّه، فيسقط حكمها لاختلافها وعدم الوثوق بإرادة


1 ـ راجع: ملاذ الأخيار،ج16،ص241.

2 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح14،صص297و298.

3 ـ نفس المصدر،ح5،ص294.

4 ـ راجع: مستدرك الوسائل، الباب 26 من أبواب حدّ السرقة،ح1 و 5 و 7 و 8،صص142 - 144.

5 ـ راجع: المصدر السابق،ح2 و 4 و 6 و 7 و 10.

(22)

 

   
     
         

         
     
   

بعضها دون بعض.»(1)

وقال الشهيد الثاني رحمه‏الله : «وهذه الروايات مع وضوح سندها وكثرتها مختلفة الدلالة، وينبغي حملها على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الإمام لا حدّا.»(2)

أجل، إنّه قال في الروضة بعد نقل رأي الشيخ الطوسيّ رحمه‏الله في النهاية ما هذا نصّه: «ومستند هذا القول أخبار كثيرة صحيحة، وعليه الأكثر، ولا بُعد في تعيين الشارع نوعا خاصّا من التأديب، لكونه لطفا، وإن شارك خطاب التكليف في بعض أفراده.»(3) ولكن يرد عليه ما مرّ من عدم وجود مستند في الأخبار لمقولة الشيخ رحمه‏الله ، واستخراجها بالجمع بينها مشكل، بل لعلّه متعذّر.

وقال المحقّق الأردبيليّ رحمه‏الله : «وينبغي العمل بالمعتبرة والجمع بينها بوجه إن أمكن، وإلاّ فالعمل بالراجح... ويمكن أن يقال: لابدّ من العفو مرّة واحدة، فإنّ الأخبار مشتركة فيها، ثمّ يجوز العفو مرّة أخرى، لما في بعضها من العفو مرّتين، ويجوز عدمه والتعزير حينئذٍ ولو بالحكّ والإدماء أو قطع بعض الأنامل كما في بعض الأخبار، ثمّ إن عاد قطع أسفل من ذلك، ثمّ بعد العود يقطع من تحته. ويحتمل كون هذا هو القطع الكبير. وينبغي أن يكون هذه في المرّة الخامسة، للعفو مرّتين، فيكون التعزير بالحكّ ونحوه في الثالثة، ثمّ القطع أسفل من ذلك رابعة، ثمّ القطع الحقيقيّ في المرّة الخامسة، فلابدّ من ارتكاب القطع في الجملة؛ للنصوص الصحيحة الصريحة، ودفعا للفساد، وأنـّه نوع تعزير وتأديب، ولا شكّ في تجويز ذلك. والظاهر أنّ هذا في الصغير المميّز تمييزا تامّا، مثل كونه بعد سبع سنين، وكون القطع بعد تسع سنين.»(4)


1 ـ النهاية ونكته،ج3،ص324.

2 ـ مسالك الأفهام،ج14،ص479 ـ وراجع في هذا المجال: قواعد الأحكام،ج3،ص554.

3 ـ الروضة البهيّة،ج9،صص222 و 223.

4 ـ مجمع الفائدة والبرهان،ج13،صص215 و 216.

(23)

 

   
     
         

         
     
   

ونحوه في الجمع المذكور ما مضى من كلام المحقّق الخوئيّ رحمه‏الله .

ثمّ إنّه قد يستشكل في حمل النصوص على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الحاكم لا حدّا، بأنّ مقتضاه تجويز بلوغ التعزير إلى الحدّ هنا ولو في بعض الصور، وهذا لا يلائم ما ذكره المتأخّرون من اشتراط التعزير بعدم بلوغه الحدّ، ولذا قال صاحب الجواهر رحمه‏الله : «الإنصاف عدم الجرأة لغير المعصوم عليه‏السلام في الوصول في التأديب إلى القطع ولو الأنملة، فضلاً عن القطع كما في الكبير الذي لا يوافق ما دلّ على كون التعزير دون الحدّ، ولذا قال أمير المؤمنين عليه‏السلام : «لم يصنعه إلاّ رسول اللّه‏ صلى ‏الله‏ عليه‏ و‏آله ‏وسلم وأنا»(1) ولعلّه لأنـّهما يحيطان بما لم يحط به غيرهما.»(2) وقال أيضا: «النصوص المزبورة بعد شدّة تعارضها وإعراض المشهور عنها، لا يجسر بها على التأديب بالقطع المزبور، ولعلّ المنتهى الإدماء بالحكّ أو بقطع اللحم من الأنامل شيئا فشيئا بمنقاش ونحوه؛ كما يومئ إليه قطع أمير المؤمنين عليه‏السلام من لحم الأنامل، بل يمكن حمل القطع في بعضها على ذلك، فإنّ التأديب عرفا بهذا ونحوه، ولا يصل إلى قطع الأنملة فضلاً عن القطع كما يقطع البالغ.»(3)

أقول: إنّ من أهمّ المسائل التي يواجهها الإنسان في حياته ومعيشته مسألة تربية من كان تحت يده وقيمومته من الأولاد والصبيان والذراري وغيرهم، لأنّ لها الدور الكبير في صيانة الناس من السقوط والخوض في مهاوي الرذائل؛ وهي مسألة صعبة، وهي بحاجة إلى تظافر جهود الأبوين ومساندة من السلطة الحاكمة. ومن الأمور الأساسيّة في المجتمعات الراقية ملاحظة أنـّه لابدّ من كون التعليم والتربية على وفق الأسس الصحيحة حتّى تنتج ثمارها المطلوبة.

هذا، ومن المؤسف عليه أنـّه قد يسلك في هذا الطريق سبلاً معوّجة قائمة على أساس


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة،ح9،ج28،ص296.

2 ـ جواهر الكلام،ج41،صص479 و 480.

3 ـ نفس المصدر،ص480.

(24)

 

   
     
         

         
     
   

الضرب والتهديد فقط، وهذا يخلق فيمن تراد تربيته الرعب وارتكاب ما لا يليق أن يرتكب. وأيضا قد تختلط في بعض العبارات مسألة التعزير والعقوبة بمسألة التربية، ويحكم في المقام الثاني بما حكم به في المقام الأوّل، وهذا أمر غير صحيح. وقد بحثنا حول مسألة تأديب الصبيّ تفصيلاً في بعض مباحث القذف.(1)

ثمّ إنّ الأطفال الذين يرتكبون الجرائم المختلفة من السرقة والقمار وما شاكلهما، هل هم عصاة طغاة مضلّون لغيرهم من الصلحاء؟ وهل إنّ ذواتهم هي ذوات فاسدة منزلقة إلى هوّة سحيقة أم أنـّهم ضحايا المجتمع المحرومون من التربية الصحيحة، حيث لم ينعموا بخلال الأسرة الصالحة؟ أو إنّهم المستضعفون الذين سلبهم المجتمع الفاسد أو ولاته الظلمة حقوقهم وضيّعها عليهم؟

هل التفكير الصحيح يهدينا إلى أن نتعامل معهم بالضرب والشتم والحبس وقطع أعضائهم أو بالشفقة والمحبّة وقضاء حاجاتهم الماديّة والمعنويّة من أكل وشرب وتداوي وتعليم وتربية ومعالجة أسباب انحرافاتهم الخلقيّة والسلوكيّة؟

لقد رأينا في بداية افتتاح الثورة الإسلاميّة مجتمعا مفكّكا غاصّا بمثل هؤلاء الأطفال، فتساءلنا عن أحوالهم وكيفيّة تسيير حياتهم المعاشيّة، فمنهم من كان يتيما بلا أب ولا أمّ بلا ملجأ ومأوى، ومنهم من كان أبواه في السجن من جهة ابتلائهم بالموادّ المخدّرة أو جرائم أخرى، ومنهم من كان مثلاً واقعا تحت تأثير ظلم زوجة أبيه التي تزوّج بها أبوه بعد وفاة أمّه أو كان بعد طلاقها، أو كان تحت ظلم زوج أمّه الذي تزوّجت به أمّه بعد موت أبيه أو بعد الطلاق.

نعم، لم نر بينهم ـ في غالبيّتهم إن لم يكن كلّهم ـ من كان في أساس واقعه، منشأ الجرم عنده هو خبث باطنه وشقاوة طبعه.

إذن فإن لم نقل أساسا وقبل كلّ شيء بوجوب السعي والاجتهاد إلى تلبية حوائجهم


1 ـ راجع: الجزء الثاني من هذا الكتاب،صص486 - 501.

(25)

 

   
     
         

         
     
   

وأمورهم من المأكل والمشرب والمسكن والتعليم والتداوي وغيرها، يقع السؤال في كيفيّة التعامل مع هؤلاء الأطفال.

ترى، هل الإسلام الذي يمنع من مجازاة السارق في عام المجاعة، يجيز قطع الأنامل أو الأصابع من هؤلاء الأطفال؟ فالدين الذي يكون حاله هكذا، حاشا ثمّ حاشا أن يتجنّب العدل في غيره.

أجل، إنّنا نعلم أنّ تلك العقوبات المقرّرة للمجرمين من الرجال والنساء، لم تشرع بحال من الأحوال للغضب والانتقام، بل إنّما جيء بها بغية إصلاح حال المجتمع وحفظ نظامه من جميع جوانبه وخاصّة في المجالات المعاشيّة.

وكيف كان، فالعمل بتلك الروايات ولا سيّما في هذه الظروف والموارد، محلّ نظر وإن كان أكثرها معتبرة سندا، وذلك لتقابلها وتهافتها وإعراض كثير من الفقهاء عنها، بل تهافت فتاوى من استند عليها وأفتى طبقها.

وأمّا حملها على عدم كون القطع من باب التكليف والحدّ بل كونه تأديبا منوطا بنظر الحاكم فيما يشتمل على المصلحة، فهو أيضا مشكل وموجب للجرأة والجسارة والهجوم وبلوغ العقوبة التعزيريّة إلى العقوبة الحدّيّة.

وأمّا المسألة عند العامّة فيظهر من تتبّع كلمات علمائهم اعتبار البلوغ في السارق، فلا يقطع الصبيّ عندهم إذا سرق، لأنـّه غير مكلّف في نظر الشريعة. أجل، صرّح بعضهم أنّ امتناع القطع في السرقة لا يمنع من عقوبة التعزير، كما هو الأمر مع الصبيّ الذي يزيد سنّه على سبع ولم يبلغ خمسة عشر، فلا يقطع ولكنّه يعاقب بعقوبة تأديبيّة.(1)


1 ـ راجع: التشريع الجنائيّ الإسلامي،ج2،صص609 و 610، الرقم 616 ـ وراجع: المغني ويليه الشرح الكبير،ج10،ص262 ـ الأحكام السلطانيّة،ج1،صص266 و 268؛ وأيضا: ج2،صص226 و 228 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد،ص446 ـ الفقه على المذاهب الأربعة،ج5،ص154 ـ السياسيّة الجزائيـّة،ج2،صص419 و 454 و455 و 461 و 498 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته،ج6،صص100 و 101.

(26)

 

   
     
         

         
     
   

الأمر الثاني:

في اشتراط العقل

 

قال المحقّق رحمه‏الله :

«الثاني: العقل؛ فلا يقطع المجنون ويؤدّب وإن تكرّرت منه.»(1)

لا يقطع المجنون ـ سواء كان إطباقيّا أو أدواريّا ـ إذا سرق حال جنونه وإن ثقب وفتح وكسر القفل، بلا خلاف ولا إشكال في ذلك بين الفقهاء(2)، بل عن بعض كونه إجماعيّا(3).

قال الشيخ الطوسيّ رحمه‏الله في المبسوط: «لا قطع إلاّ على مكلّف، وهو البالغ العاقل، فأمّا غير المكلّف ـ وهو الصبيّ أو المجنون ـ فلا قطع على واحد منهما، لقوله تعالى: «فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالاً من اللّه‏»(4)

وإنّما يعاقب من كان عاقلاً. وروي عن


1 ـ شرائع الإسلام،ج4،ص159.

2 ـ راجع: المهذّب،ج2،ص537 ـ المراسم العلويّة،ص260 ـ الجامع للشرائع،ص559 ـ مجمع الفائدة والبرهان،ج13،ص216 ـ رياض المسائل،ج16،ص83 ـ جواهر الكلام،ج41،ص481 ـ مباني تكملة المنهاج،ج1،ص283 ، الأمر الثاني ـ تحرير الوسيلة،ج2،ص482، الأمر الثاني من مسألة 1؛ مضافا إلى المصادر الماضية في الأمر الأوّل من كتب: النهاية، والوسيلة، وكتاب السرائر، والكافي في الفقه، والمختصر النافع، وإرشاد الأذهان، وتبصرة المتعلّمين، وقواعد الأحكام، وتحرير الأحكام، واللمعة الدمشقيّة، والروضة البهيّة، ومفاتيح الشرائع.

3 ـ راجع: غنية النزوع،ص430 ـ كشف اللثام،ج2،420.

4 ـ المائدة(5):38.

(27)

 

   
     
         

         
     
   

عليّ عليه‏السلام عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أنـّه قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبيّ حتّى يبلغ، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى ينتبه» وهو إجماع، فإن كان السارق مجنونا فلا قطع، وإن كان غير بالغ فلا قطع.»(1)

واستدلّ لذلك بالأصل، وبحديث رفع القلم عنه(2) من دون وجود معارض له، سواء في ذلك أن يسرق مرّة أو مرّات، ولا يقاس المجنون بالصبيّ فيما مرّ، لعدم حجّيّة القياس عندنا.

نعم، ذكر ابن حمزة من القدماء، والماتن، وجمع من المتأخّرين رحمهم‏الله أنـّه يعزّر ويؤدّب(3)؛ ولكن نسب العلاّمة رحمه‏الله في التحرير(4) التأديب إلى قيل، وهو مشعر باستضعافه لذلك.

وذكر السيّد الطباطبائيّ رحمه‏الله أنّ إطلاق حديث رفع القلم أيضا يدلّ على نفي التعزير عنه، ثمّ أجاب عنه بقوله: «إلاّ أنـّه لا خلاف فيه، ويمكن الاعتذار عنه بما يأتي من أنـّه ليس من باب التكليف، بل وجوب التأديب على الحاكم لاشتماله على المصلحة ودفع المفسدة، كما في كلّ تعزير.»(5)

وقال المحقّق الخونساريّ رحمه‏الله : «والمعروف تأديبه رفعا للفساد، وفيه إشكال، ألا ترى


1 ـ المبسوط،ج8،ص21.

2 ـ راجع: وسائل الشيعة، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات،ح11،ج1،ص45؛ والباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود،ح1 و2،ج28،صص22 و 23؛ والباب 36 من أبواب القصاص في النفس،ح2،ج29،ص90.

3 ـ راجع: المصادر الماضية من كتب: الوسيلة، والمختصر النافع، وشرائع الإسلام، وتبصرة المتعلّمين، وقواعد الأحكام، واللمعة الدمشقيـّة، والروضة البهيّة، وكشف اللثام.4 ـ راجع: تحرير الأحكام، المصدر السابق.

5 ـ رياض المسائل،ج16،صص83 و 84.

(28)

 

   
     
         

         
     
   

أنّ الصبيّ يعفى عنه مرّة ومرّتين مع تحقّق الفساد.»(1)

أقول: الحقّ ـ كما يظهر من كلام جمع من الأعلام، منهم الشهيد الثاني رحمه‏الله (2) ـ أنـّه إذا كان المجنون بحيث يفهم بعض الأمور وأمكن تأثير التأديب فيه على حسب نظر الحاكم، فهو يؤدّب حسما لمادّة الفساد، ونظما لأمور العباد في البلاد، وأمّا إن لم يرتدع بذلك، سقط التعزيز والتأديب، فإنّ الجنون فنون، ولابدّ أن يتوصّل الحاكم لدفع فساده إلى طريق آخر.

ثمّ إنّه لو سرق شخص في حال إفاقته ثمّ جنّ قبل إقامة الحدّ عليه، فهل يقام الحدّ عليه في حال الجنون أو لا؟

ذكر العلاّمة رحمه‏الله في القواعد(3) أنـّه لم يسقط الحدّ بالجنون المعترض، وهو أوّل من صرّح بالمسألة هنا من فقهائنا على ما ظفرنا به، وتبعه على ذلك الشهيد الثاني رحمه‏الله حيث قال: «لو سرق عاقلاً ولو في حال إفاقته، كذي الأدوار، قطع، ولا يمنعه اعتراض الجنون، استصحابا لما ثبت قبله.»(4) ونحوه ما في الروضة.(5)

وقال المحقّق الأردبيليّ رحمه‏الله : «لو سرق حال إفاقته ثمّ جنّ، فالاستصحاب يقتضي عدم السقوط. ويحتمل السقوط لعموم مثل: «وعن المجنون حتّى أفاق» فتأمّل. ويحتمل التفصيل بأنـّه إن كان ذا شعور يدرك يقطع، وإلاّ فلا.»(6)

نعم، تعرّض جمع كثير من الفقهاء لحكم الجنون العارض بعد ارتكاب ما يوجب الحدّ


1 ـ جامع المدارك،ج7،ص139.

2 ـ راجع: مسالك الأفهام،ج14،ص480؛ مضافا إلى المصادر الماضية من كتب: مجمع الفائدة والبرهان، ومفاتيح الشرائع، وجواهر الكلام، وتحرير الوسيلة.

3 ـ راجع: قواعد الأحكام،ج3،ص554.

4 ـ مسالك الأفهام، المصدر السابق،صص479 و 480.

5 ـ راجع: الروضة البهيّة،ج9،ص223.

6 ـ مجمع الفائدة والبرهان،ج13،ص216.

(29)

 

   
     
         

         
     
   

ـ أيّ حدّ كان ـ في تضاعيف مباحث الزنا، مثل الصدوق، والشيخ الطوسيّ، وابن حمزة، والقاضي ابن البرّاج، وابن إدريس، وغيرهم رحمهم‏الله . وقد بحثنا عن المسألة والأقوال المذكورة فيها مع ذكر مصادرها في مباحث الزنا، فراجع.(1)

والمستند لثبوت القطع هنا، هو ما رواه أبو عبيدة في الصحيح، عن أبي جعفر عليه‏السلام : «في رجل وجب عليه الحدّ، فلم يضرب حتّى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه الحدّ وهو صحيح لا علّة به من ذهاب عقل، أقيم عليه الحدّ، كائنا ما كان.»(2)

واحتمال اختصاصه بحدّ الزنا أو ما كان الحدّ فيه ضربا، بقرينة قوله: «فلم يضرب» بعيد في الغاية بعد العموم في الجواب ولا سيّما قوله عليه‏السلام : «كائنا ما كان».

ولكن مع ذلك كلّه يختلج بالبال شيء، وهو أنّ إقامة الحدّ على المجنون مخالف للارتكاز، وذلك لأنّ المرتكز هو أنّ الحدّ مؤاخذة وعقوبة لمن يدرك العقوبة، والمجنون كالميّت في الارتكازات، فمن عرض عليه الجنون، كان كمن عرض عليه الموت في أذهان الناس، ولذا لا يأخذون المجانين في المحاكم العرفيّة في أقطار العالم، ويستغربون ذلك كلّ الاستغراب، حتّى إذا جنّ أحد في السجون أو المحاكم، فقد تقطع في حقّه أحكام المحاكم؛ ولكنّ الكلام في كفاية مثل هذا التفكير والإشكال لردّ الصحيحة المفتى بها.

وأمّا السكران إذا سرق في سكره، فقد بحثنا مبسوطا عن جرائمه في كتاب القذف.(3)

وأمّا العامّة فالظاهر عدم الخلاف بين فقهائهم في اشتراط العقل في السارق حين يسرق، وذلك لأنّ القطع عقوبة، فيستدعي جناية، وفعل المجنون لا يوصف بأنـّه جناية.(4)


1 ـ راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب،صص533 - 537.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 9 من أبواب مقدّمات الحدود،ح1،ج28،صص23 و 24.

3 ـ راجع: الجزء الثاني من هذا الكتاب، صص318 - 322.

4 ـ راجع: المصادر الماضية من كتبهم في الأمر السابق.

(30)

 

   
     
         

         
     
   

وأمّا لو ارتكب الموجب للحدّ في حال الصحّة ثمّ جنّ، فتارة يحدث الجنون قبل حكم الحاكم وأخرى بعد حكمه، وقد اختلفت آراء فقهائهم في الحالتين المذكورتين، وقد مرّ تفصيل كلامهم فيهما مع ذكر المصادر في مبحث الزنا.(1)


1 ـ راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب،صص536 و 537.

(31)