|
|
معرفة الحدّ والتعزير |
![]() |
![]() |
|||
|
قال المحقّق رحمهالله : «كتاب الحدود والتعزيرات. كلّ ما له عقوبة مقدّرة، يسمّى حدّا وما ليس كذلك، يسمّى تعزيرا.»(1) 1 ـ شرائع الإسلام،ج4،ص136. (3)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
وقال الفيّومي: «الحدّ في اللغة: الفصل والمنع، فمن الأوّل قول الشاعر: وجاعل الشمس حدّا لا خفاء به، ومن الثاني: حددته عن أمره إذا منعته، فهو محدود، ومنه الحدود المقدّرة في الشرع، لأنـّها تمنع من الإقدام.»(4) إنّ من يتصفّح كتاب اللّه العزيز، يجد أنّ كلمة الحدّ لم تستعمل فيه إلاّ بصيغة الجمع، وأنّ هذه الكلمة بالذات، قد استعملت في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعا، كلّها مدنيّة، غير أنـّها في جميع مواضعها لم ترد لمعنى العقوبة، لا المعيّنة منها ولا غير المعيّنة، بل بمعنى أحكام اللّه وأوامره ونواهيه. ثمّ إنّه في تسعة من المواضع كان موردها أحكام الأسرة(5)، وفي موضعين منها في أحكام الإرث(6)، وفي موضع منها في بعض أحكام الصيام والاعتكاف(7)، وفي موضعين 1 ـ البقرة(2):187. 2 ـ البقرة (2):229. 3 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر،ج1،ص352. 4 ـ المصباح المنير،صص124 و125. 5 ـ البقرة(2):229 و 230 ـ المجادلة(58):4 ـ الطلاق(65):1. 6 ـ النساء(4):13 و 14. 7 ـ البقرة(2):187. (8)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
لا المطلقة، كما هو واضح. ولكنّ المستفاد من كلام صاحب الجواهر رحمهالله الترديد في المسألة، حيث قال: «إنّما الكلام في اندراج ما لا مقدّر له شرعا تحت اسم الحدّ ـ الذي هو عنوان أحكام كثيرة في النصوص، كدرء الحدّ بالشبهة، وعدم اليمين في الحدّ، وعدم الكفالة فيه، وللإمام العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار دون البيّنة، وعدم الشفاعة في الحدّ وغير ذلك ـ وعدم اندراجه؛ يحتمل ذلك، لإطلاقه على مطلق العقوبة في كثير من النصوص... ويحتمل العدم كما هو ظاهر الأصحاب هنا، وفي ما لو اعترف بحدّ ولم يبيّنه، لظهور لفظ الحدّ عرفا في المحدود... نعم، لا ينكر إطلاق الحدّ على ما يشمل التعزير أيضا.»(1) وتظهر ثمرة البحث ـ كما ظهر من عبارة صاحب الجواهر رحمهالله ـ بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على الحدود، وأنـّه هل تترتّب هذه الأحكام على ما لا مقدّر له شرعا أم لا؟ بمعنى أنـّه لو قلنا: إنّ الحدّ حقيقة في مطلق العقوبة، وإنّ استعماله في العقوبة المعيّنة، إنّما هو من باب تطبيق الكلّي على مصاديقه، كما هو الحال في الموارد التي ورد الحدّ فيها قسيما للتعزير، أو نُفي الحدّ فيها مع ثبوت العقوبة، فحينئذٍ تثبت الأحكام المذكورة في مطلق العقوبة، حدّا كانت أو تعزيرا. وأمّا لو قلنا: إنّ الحدّ في الحقيقة هو ما كان مقابل التعزير، فلا تجري الأحكام المذكورة في التعزيرات. وكذلك الأمر إذا قلنا بأنـّه مشترك لفظيّ بين المعنيين أعني المعيّن والأعمّ، فلا تجري الأحكام في التعزيرات من باب الأخذ بالقدر المتيقّن، إلاّ أنـّه بعيد في الغاية. أمّا التمسّك بالفحوى وإلغاء الخصوصيّة بدعوى ظهور الأحكام المذكورة في مطلق العقوبات لا المقدّرة منها فقط، ففيه: أنّ الأخذ بها وإن كان صحيحا في بعض الموارد كدرء 1 ـ جواهر الكلام،ج41،صص256 و 257. (12)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
الحدّ بالشبهة، وجواز عفو الإمام فيما يثبت بالإقرار، باعتبار أنّ هذه الأحكام إذا ثبتت في الحدّ مع كونه ثقيلاً، فهي كذلك تثبت في التعزير بطريق أولى، لكنّه لا يصحّ في جميع الموارد، من قبيل: عدم الكفالة والشفاعة، وعدم جواز العفو إذا ثبت بالبيّنة؛ وما ذاك إلاّ لأنـّه يمكن أن تكون هذه الأحكام ثابتة في التعزير، باعتبار كونه أخفّ، دون الحدّ لثقله. والحاصل: أنّ حمل اللفظ المذكور على المعنى الخاصّ ـ أعني العقوبة المعيّنة ـ يحتاج إلى القرينة، ومع عدمها فيحمل على مطلق العقوبة. قد يستعمل التعزير في اللوم والتأديب والضرب الشديد والضرب دون الحدّ. وقد يستعمل في ضدّ هذه المعاني فيأتي بمعنى التوقير والتفخيم والتعظيم والإعانة والنصرة، والأصل في معناه هو المنع والردّ. قال ابن الأثير: «في حديث المبعث قال ورقة بن نوفل: «إن بُعث وأنا حيّ فسأعزّره وأنصره»، التعزير ههنا الإعانة والتوقير والنصر مرّة بعد مرّة. وأصل التعزير: المنع والردّ؛ فكأنّ من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحدّ: تعزير، لأنـّه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال: عزرته وعزّرته، فهو من الأضداد.»(1) وقال الفيّومي: «التعزير: التأديب دون الحدّ، والتعزير في قوله تعالى: «وتعزّروه»، 1 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر،ج3،ص228. (13)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
وقال وهبة الزحيلي: «والحدّ في الشرع في اصطلاح الحنفيّة، عقوبة مقدّرة واجبة حقّا للّه تعالى فلا يسمّى التعزير حدّا، لأنـّه ليس بمقدّر، ولا يسمّى القصاص أيضا حدّا، لأنـّه وإن كان مقدّرا لكنّه حقّ العباد فيجري فيه العفو والصلح. وسمّيت هذه العقوبات حدودا لأنـّها تمنع من الوقوع في مثل الذنب... والحدّ في اصطلاح الجمهور غير الحنفيّة: عقوبة مقدّرة شرعا، سواء أكانت حقّا للّه أم للعبد.»(1) وقال أيضا: «الأصل في التعزير لغة: المنع... وهو شرعا: العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لا حدّ فيها ولا كفّارة، سواء أكانت الجناية على حقّ اللّه تعالى، كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة في رأي الجمهور، والربا، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس، ونحوها، أم على حقّ العباد كمباشرة الأجنبيّة فيما دون الفرج، وسرقة ما دون النصاب، أو السرقة من غير حرز...»(2) وقال عبدالقادر عودة: «والحدّ: هو العقوبة المقرّرة حقّا للّه تعالى، أو هو العقوبة المقرّرة لمصلحة الجماعة، وحينما يقول الفقهاء: إنّ العقوبة حقّ للّه تعالى، يعنون بذلك أنـّها لا تقبل الإسقاط من الأفراد ولا من الجماعة، وهم يعتبرون العقوبة حقّا للّه كلّما استوجبتها المصلحة العامّة، وهي رفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.»(3) وقال أيضا: «التعزير: هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود؛ أي: هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لأيّها عقوبة مقدّرة. والتعازير هي مجموعة من العقوبات غير المقدّرة تبدأ بأتفَه العقوبات، كالنصح والإنذار، وتنتهي بأشدّ العقوبات، كالحبس والجلد، بل قد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بينها العقوبة الملائمة 1 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته،ج6،ص12. 2 ـ نفس المصدر،ص197. 3 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،صص634 و 635. (20)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
بثلاثين إلى تسعة وتسعين على قول(1). الرابع: من افتضّ بكرا بإصبعه(2)، قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة وسبعين(3)، وقال المفيد: من ثلاثين إلى ثمانين(4)، وقال ابن إدريس: من ثلاثين إلى تسعة وتسعين(5). الخامس: الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد أو إزار مجرّدين، يعزّران من عشرة إلى تسعة وتسعين(6)، قاله المفيد(7)، وأطلق الشيخ التعزير(8)، وقال في الخلاف: روى أصحابنا فيه الحدّ(9). ولقائل أن يقول: ليس من هذه مقدّر سوى الأوّلين، والباقي يرجع فيما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره، وإن لم يتحدّد في طرفيه بما ذكر.»(10) ويرد على ما قاله الشهيد الثاني رحمهالله بالأمور التالية: أوّلاً: إنّه يلزم من أخذ قيد «غالبا» في تعريف التعزير، تداخل حدّ الحدّ والتعزير. وثانيا: إنّ ظاهر كلامه ورود الروايات في المواضع الخمسة كلّها، مع أنـّه لم يرد في الثلاثة الأخيرة روايات تدلّ على ما ذكر، بل كما صرّح هو رحمهالله أنـّها متّخذة من كلمات 1 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق، الباب 10 منها،ح18 و 21،صص89 و 90. 2 ـ نفس المصدر، الباب 39 منها،صص144 و 145؛ والباب 4 من أبواب حدّ السحق والقيادة،صص170 و 171. 3 ـ النهاية،ص699؛ ولكن فيه: «تسعة وتسعين» بدل: «سبعة وسبعين»؛ وفي نكت النهاية،ج3،ص297: «تسعة وسبعين»؛ وفي جواهر الكلام،ج41،ص371 نقلاً عن الشيخ: «سبعة وتسعين». 4 ـ المقنعة،ص785. 5 ـ كتاب السرائر،ج3،ص449. 6 ـ وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا،ح3 و 19،ج28،صص85 و 89. 7 ـ المقنعة،ص774. 8 ـ النهاية،صص689 و 690. 9 ـ كتاب الخلاف،ج5،ص373، مسألة 9؛ وفيه: «روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة أجنبيّة يقبّلها ويعانقها في فراش واحد، أنّ عليهما مائة جلدة وروي ذلك عن عليّ عليهالسلام .» 10 ـ مسالك الأفهام،ج14،صص326 و 327. (22)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
الفقهاء؛ فمثلاً إنّ المذكور في روايات «من افتضّ بكرا بإصبعه» أنـّه يجلد ثمانين جلدة(1)، وليس في رواية أنـّه يعزّر من ثلاثين إلى سبعة وسبعين أو إلى ثمانين أو إلى تسعة وتسعين. وثالثا: إنّه لا تنحصر المواضع بالخمسة المذكورة، بل يمكن أن توجد موارد أخرى؛ مثل ما ورد في رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أتى أهله وهي حائض؟ قال: يستغفر اللّه ولا يعود. قلت فعليه أدب؟ قال: نعم خمسة وعشرون سوطا، ربع حدّ الزاني وهو صاغر، لأنـّه أتى سفاحا.»(2) ونحوه رواية محمّد بن مسلم.(3) ومثل ما ورد عن عبيد بن زرارة، قال: «سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزنا لا نعلم منه إلاّ خيرا، لضربته الحدّ، حدّ الحرّ إلاّ سوطا.»(4) حيث إنّ المراد بالحدّ الأوّل فيه هو التعزير، إذ يشترط في حدّ القذف المصطلح حرّيّة المقذوف، والشاهد على ذلك موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام ، قال: «من افترى على مملوك عزّر لحرمة الإسلام.»(5) ورابعا: إنّ ما ذكره في آخر كلامه لو كان صحيحا لكانت عقوبة المحارب حينئذٍ تعزيرا، لأنّ عقوبته دائرة بين أمور ثلاثة تعيينها منوط بيد الحاكم. وكيف كان أقول منبّها بأنّ مثل هذا التفريق المذكور في كلام المحقّق رحمهالله بين الحدّ والتعزير، ليس ممّا صرّح به في الأحاديث المستدلّ بها، كما أنـّه ليس ذلك مقتضى الجمع 1 ـ وسائل الشيعة، الباب 39 من أبواب حدّ الزنا،ج28،صص144 و 145؛ والباب 4 من أبواب حدّ السحق والقيادة،صص170 و 171؛ والباب 3 من أبواب النكاح المحرّم،ج20،ص316. 2 ـ نفس المصدر، الباب 13 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح2،ج28،ص378.
3 ـ نفس المصدر،ح1،صص377 و 378. 4 ـ نفس المصدر، الباب 4 من أبواب حدّ القذف،ح2،ص178. 5 ـ نفس المصدر،ح12،صص181 و 182. (23)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
وقد تعرّض لهذه الفروق إلاّ الثاني منها، الدكتور وهبة الزحيلي(1) أيضا، وأشار إلى بعضها الدكتور عبدالقادر عودة(2)، وأبوالحسن الماوردي(3)، وأبو يعلى الفرّاء(4). وقد تعرّض الماوردي لمفاد الفرق الثامن بما هذا نصّه: «... إنّ تأديب ذي الهيبة من أهل الصيانة أخفّ من تأديب أهل البذاء والسفاهة، لقول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» فتدرّج في الناس على منازلهم، فإن تساووا في الحدود المقدّرة، فيكون تعزير من جلّ قدره بالإعراض عنه، وتعزير من دونه بالتعنيف له، وتعزير من دونه بزواجر الكلام...»(5) وقال الدكتور عبدالقادر عودة أيضا: «عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ينظر فيها إلى الجريمة، ولا اعتبار فيها لشخصيّة المجرم، أمّا التعازير فينظر فيها إلى الجريمة وإلى شخص المجرم معا.»(6) وقد مرّ في خبر حمّاد عن أبي عبداللّه عليهالسلام ، قال: «قلت له: كم التعزير؟... قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه.»(7) وتعرّض الدكتور وهبة الزحيلي لمفاد الفرق التاسع بما هذا نصّه: «التاسع: مراعاة مكان الجريمة وزمانها. إنّ التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فربّ تعزير في 1 ـ الفقه الإسلامى وأدلّته،ج6،صص18 - 22. 2 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،صص686 و 687. 3 ـ الأحكام السلطانيـّة،ج2،صص236 - 238. 4 ـ نفس المصدر،ج1،صص279 - 282. 5 ـ نفس المصدر،ج2،ص236.
6 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،ص687. 7 ـ وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح3،ج28،ص375. (25)
|
||||
![]() |
![]() |
|||
![]() |
![]() |
|||
|
بلاد يكون إكراما في بلد آخر.»(1) وقد نقل عن الشافعي فرق آخر بينهما وهو: أنّ ما يحدث عن الحدّ من التلف هدر، لكن إن حصل تلف من التعزير فإنّه يوجب الضمان. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد.(2) 1 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته،ج6،ص22. 2 ـ المغني ويليه الشرح الكبير،ج10،ص349 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته، المصدر السابق. (26)
|
||||
![]() |
![]() |
|||