معرفة الحدّ والتعزير 


         
     
   

قال المحقّق رحمه‏الله :

«كتاب الحدود والتعزيرات.

كلّ ما له عقوبة مقدّرة، يسمّى حدّا وما ليس كذلك، يسمّى تعزيرا.»(1)


1 ـ شرائع الإسلام،ج4،ص136.

(3)

 

   
     
         

         
     
   

معرفة الحدّ والتعزير

نتعرّض لمطالب هذا البحث ضمن أربعة أمور:

الأمر الاوّل: في أهمّيّة إقامة الحدود

لا شكّ في أنّ إدارة المجتمع وحفظ النظام ورعاية حقوق الناس وإقامة القسط والعدل، تتوقّف على وضع المقرّرات وتحديد الحرّيّات، وعلى تأديب المتخلّفين ومجازاة المجرمين، حتّى يعيش الناس مطمئنّين على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم؛ إذ لو لا خوف المجرمين من العقوبة والخذلان، لما بقيت للنفوس والأعراض والأموال حرمة ولاختلّ النظام وشاعت الفوضى والهرج والمرج.

وقد استقرّت سيرة العقلاء في جميع الأزمنة والأمكنة على وضع المقرّرات في الأمور الجزائيّة لتحديد الجرائم وتعيين كيفيّة المجازات وإصلاح المجرمين، والإسلام أيضا قد اهتمّ بهذا الأمر أشدّ الاهتمام.

والحدود زواجر وضعها اللّه‏ تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به؛ لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذّة، فجعل اللّه‏ تعالى من زواجر الحدود ما يردع به الركون والميل إلى الجناية حذرا من ألم العقوبة وخوفا من نكال الفضيحة؛ ليكون ما حظر من محارمه ممنوعا وما أمر به من فروضه متبوعا.

والحدود على ضربين، أحدهما: ما كان من حقوق اللّه‏ تعالى؛ كحدّ الزنا وما يلحقه، وشرب الخمر، والمحاربة والارتداد. والثاني: ما كان من حقوق الآدميّين؛ كحدّ الفرية.

(4)

 

   
     
         

         
     
   

 نعم، قد اختلف في بعض الحدود مثل حدّ السرقة أنـّه من أيّ القسمين.

والحدود المختصّة بحقوق اللّه‏ ضربان، أحدهما: ما وجب في ترك مفروض، والثاني: ما وجب في ارتكاب محظور.

ويدلّ على اهتمام الإسلام بإقامة الحدود، الروايات الواردة في هذا المجال؛ مثل ما رواه السكوني عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : إقامة حدّ خير من مطر أربعين صباحا.»(1) ونحوه خبر سدير عن أبي جعفر عليه‏السلام (2)، ومرفوعة حفص بن عون عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم (3).

وقد روى عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم عليه‏السلام في قول اللّه‏ عزّ وجلّ: «يحيى الأرض بعد موتها»(4)، قال: «ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث اللّه‏ رجالاً فيحيون العدل، فتحيى الأرض لإحياء العدل، ولإقامة الحدّ للّه‏ أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا.»(5)

وقد روي عن أبي عبداللّه‏ عن آباءه عليهم‏السلام : «إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أتي بامرأة لها شرف في قومها قد سرقت، فأمر بقطعها، فاجتمع إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ناس من قريش وقالوا: يا رسول اللّه‏! تقطع امرأة شريفة مثل فلانة في خطر يسير؟ قال: نعم، إنّما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يقيمون الحدود على ضعفاءهم ويتركون أقوياءهم وأشرافهم، فهلكوا.»(6)

وفي خبر ميثم عن أمير المؤمنين عليه‏السلام : «... وإنّك قد قلت لنبيّك صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فيما أخبرته من


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود،ح4،ج28،ص12.

2 ـ نفس المصدر،ح2.

3 ـ نفس المصدر،ح5،صص12 و 13.

4 ـ الروم(30):19.

5 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح3،ص12.

6 ـ مستدرك الوسائل، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود،ح1،ج18،ص7.

(5)

 

   
     
         

         
     
   

دينك: يا محمّد! من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادّتي.»(1)

والعجب أنـّه قد يزعم بعض المرتابين أنّ هذه العقوبات المقرّرة للمجرمين لا تتحقّق مع المدنيّة والتقدّم، وقد يرمونها بالعنف والغلظة. وهؤلاء يركّزون النظر على شدّة العقوبة ويتناسون فظاعة الجريمة وآثارها الخطيرة على المجتمع. إنّهم يتباكون مثلاً على يد سارق أثيم تقطع، ولا تهولهم جريمة السرقة وآثارها الخطيرة من الاعتداء على الأشخاص وأحداث عاهات على الأبرياء.

ولقد أثبت التاريخ أنّ المجتمع الإسلاميّ عندما أقام الحدود الشرعيّة، عاش آمنا مطمئنّا على أمواله وأعراضه ونظام مجتمعه، وصار الأمر بحيث إنّ المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحدّ عليه، رغبة في تطهير نفسه والتكفير عن ذنبه.

والشدّة التي تتّسم بها العقوبات المقرّرة في الشريعة، هي في الواقع رحمة عامّة بالمجتمع ككلّ، حتّى يتخلّص من شرور الجرائم وأخطارها الوبيلة، فإنّ هلاك عدد محدود من نفوس المجرمين الآثمين الخارجين على حكم اللّه‏، أو قطع أيديهم وأرجلهم، أهون كثيرا من ترك الجريمة تفتكّ بآلاف المؤمنين الأبرياء في أرواحهم وأبدانهم وحريمهم وثرواتهم، بل إنّ شدّة العقوبة بنفسها وكذا تحتّمها رحمة لمن توسوس لهم أنفسهم بالإجرام؛ حيث تمنعهم تلك الشدّة والتحتّم من الإقدام على الجريمة، فتحول بينهم وبين التردّي في مهاوي الإجرام، فهي شدّة في نطاق محدود، تؤدّي إلى رحمة واسعة شاملة بالنسبة إلى المجتمع الكبير العريض، بل وبالنسبة إلى المجرم أيضا في بعض الأحيان، ويرشد إلى هذا المعنى قوله عليه‏السلام في مضمرة سماعة في شاهد الزور: «...ويطاف بهم حتّى يعرفوا فلا يعودوا...»(2)


 1 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح6،ص13.

 2 ـ نفس المصدر، الباب 11 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح2،ج28،ص376.

(6)

 

   
     
         

         
     
   

مع كلّ ذلك نقول: لا يعزب عن البال أنّ الإسلام حريص كلّ الحرص ألاّ يقام الحدّ إلاّ حيث يتبيّن على وجه اليقين ثبوت ارتكاب الجرم، وذلك بتشدّده في وسائل الإثبات، ودرءه الحدود بالشبهات، والعفو في بعض المواضع، ومع ذلك يكفي وقوعها في هاتيك الحالات حتّى يتحقّق أثرها الفعّال في منع الجريمة وتضييق الخناق عليها إلى أقصى حدّ ممكن.

الأمر الثاني: في الحدّ لغة، كتابا وسنّة

أ ـ الحدّ في اللغة

إنّ الحدّ يستعمل في اللغة في معانٍ كثيرة، ربّما أنهيت إلى عشرين معنى. منها: القطع، الاشتداد، النشاط، الغضب، ترك الزينة، التشحيذ، النظر، التمييز، الصرف والمنع، تقتير الرزق، التأديب والعقوبة.

نعم، يمكن إرجاع بعض هذه المعاني إلى بعض آخر. وأصل الحدّ هو المنع والفصل بين الشيئين، ولكن أنسبها للمقام هو التأديب والعقوبة.

قال الراغب الإصفهاني: «الحدّ: الحاجز بين الشيئين، الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال: حَدَدْتُ كذا: جعلت له حدّا يميّز. وحدّ الدار: ما تتميّز به عن غيرها. وحدّ الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميّز له عن غيره. وحدّ الزنا والخمر: سمّي به لكونه مانعا لمتعاطيه من معاودة مثله، ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه.»(1)

وقال ابن الأثير: «وهي (أي الحدود): محارم اللّه‏ وعقوباته التي قرنها بالذنوب، وأصل الحدّ المنع والفصل بين الشيئين، فكأنّ حدود الشرع فصّلت بين الحلال والحرام؛ فمنها ما


1 ـ مفردات ألفاظ القرآن،ص221.

(7)

 

   
     
         

         
     
   

لا يقرب كالفواحش المحرّمة، ومنه قوله تعالى: «تلك حدود اللّه‏ فلا تقربوها»(1)؛ ومنها ما لا يتعدّى كالمواريث المعيّنة وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى: «تلك حدود اللّه‏ فلا تعتدوها»(2)، ومنه الحديث: «إنّي أصبت حدّا، فأقِمه عليّ» أي أصبت ذنبا أوجب عليّ حدّا، أي عقوبة.»(3)  

وقال الفيّومي: «الحدّ في اللغة: الفصل والمنع، فمن الأوّل قول الشاعر: وجاعل الشمس حدّا لا خفاء به، ومن الثاني: حددته عن أمره إذا منعته، فهو محدود، ومنه الحدود المقدّرة في الشرع، لأنـّها تمنع من الإقدام.»(4)

ب ـ الحدّ في الكتاب

إنّ من يتصفّح كتاب اللّه‏ العزيز، يجد أنّ كلمة الحدّ لم تستعمل فيه إلاّ بصيغة الجمع، وأنّ هذه الكلمة بالذات، قد استعملت في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعا، كلّها مدنيّة، غير أنـّها في جميع مواضعها لم ترد لمعنى العقوبة، لا المعيّنة منها ولا غير المعيّنة، بل بمعنى أحكام اللّه‏ وأوامره ونواهيه.

ثمّ إنّه في تسعة من المواضع كان موردها أحكام الأسرة(5)، وفي موضعين منها في أحكام الإرث(6)، وفي موضع منها في بعض أحكام الصيام والاعتكاف(7)، وفي موضعين


1 ـ البقرة(2):187.

2 ـ البقرة (2):229.

3 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر،ج1،ص352.

4 ـ المصباح المنير،صص124 و125.

5 ـ البقرة(2):229 و 230 ـ المجادلة(58):4 ـ الطلاق(65):1.

6 ـ النساء(4):13 و 14.

7 ـ البقرة(2):187.

(8)

 

   
     
         

         
     
   

آخرين لم يصرّح بمورده، بل يؤكّد على حفظ حدود اللّه‏(1).

ج ـ الحدّ في الأخبار

إنّ الحدّ في الأخبار قد استعمل في معانيه المختلفة، وإليك الإشارة إلى ما هو الظاهر منها:

الأوّل: في معناه اللغوي أعني المنع والفصل بين الشيئين، وذلك كخبر سماعة عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «إنّ لكلّ شيء حدّا، ومن تعدّى ذلك الحدّ كان له حدّ»(2)، فالحدّ الأوّل والثاني استعملا في هذا المعنى، والحدّ الثالث بمعنى مطلق العقوبة.

الثاني: في مطلق العقوبة، وذلك كخبر عمرو بن قيس عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «يا عمرو بن قيس! أشعرت أنّ اللّه‏ أرسل رسولاً، وأنزل عليه كتابا، وأنزل في الكتاب كلّ ما يحتاج إليه، وجعل له دليلاً يدلّ عليه، وجعل لكلّ شيء حدّا، ولمن جاوز الحدّ حدّا.»(3)

فالحدّ الأوّل والثاني إنّما جاء بمعناه اللغوي، وأمّا الأخير فقد جاء بمعنى مطلق العقوبة والعذاب.

ورواية الحلبي عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام قال: «إنّ في كتاب عليّ عليه‏السلام أنـّه كان يضرب بالسوط وبنصف السوط وببعضه في الحدود، وكان إذا أتي بغلام وجارية لم يدركا لا يبطل حدّا من حدود اللّه‏ عزّ وجلّ. قيل له: وكيف كان يضرب؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه أو من ثلثه، ثمّ يضرب به على قدر أسنانهم، ولا يبطل حدّا من حدود اللّه‏ عزّ وجلّ.»(4)


1 ـ التوبة(9):97 و 112.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 3 من أبواب مقدّمات الحدود،ح2،ج28،ص17.

3 ـ نفس المصدر، الباب 2 منها،ح3،ص15.

4 ـ نفس المصدر، الباب 1 منها،ح1،ص11.

(9)

 

   
     
         

         
     
   

وذلك لأنّ قوله عليه‏السلام : «ولا يبطل حدّا من حدود اللّه‏ عزّ وجلّ» يشعر بأنّ المراد من الحدّ معناه الأعمّ، وإن كان مورد الخبر في التعزير؛ حيث إنّ الغلام والجارية لم يدركا، ومعلوم أنّ الحدود تتعلّق بالمكلّفين المدركين، فليس لهما حدّ معيّن شرعا.

الثالث: في العقوبة المعيّنة أي الحدّ المصطلح؛ وذلك كخبر عمرو بن قيس المذكور آنفا عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «... إنّ اللّه‏ حدّ في الأموال أن لا تؤخذ إلاّ من حلّها، فمن أخذها من غير حلّها قطعت يده حدّا لمجاوزة الحدّ، وإنّ اللّه‏ حدّ أن لا ينكح النكاح إلاّ من حلّه، ومن فعل غير ذلك إن كان عزبا حدّ، وإن كان محصنا رجم، لمجاوزته الحدّ.»(1)

فالحدّ في قوله عليه‏السلام : «قطعت يده حدّا» بهذا المعنى، وأمّا قوله: «إن كان عزبا حدّ»، فهو بقرينة مقابلته بالرجم الوارد في الحديث، استعمل في قسم خاصّ من العقوبة المعيّنة، وهي ما كانت بالسوط.

وأمّا خبر الحلبي عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام قال: «لو أنّ رجلاً دخل في الإسلام وأقرّ به، ثمّ شرب الخمر وزنى وأكل الربا ولم يتبيّن له شيء من الحلال والحرام، لم أقم عليه الحدّ إذا كان جاهلاً، إلاّ أن تقوم عليه البيّنة أنـّه قرأ السورة التي فيها الزنا والخمر وأكل الربا، وإذا جهل ذلك أعلمته وأخبرته، فإن ركبه بعد ذلك جلدته وأقمت عليه الحدّ.»(2)

ففيه: أنّ ذكر أكل الربا إلى جانب شرب الخمر والزنا، يدلّ على أنّ المراد من الحدّ مطلق العقوبة، لا المعيّنة بالخصوص، وذلك لعدم التعيين شرعا في عقوبة أكل الربا.

الرابع: في العقوبة غير المعيّنة أي التعزير، وذلك كمضمرة سماعة، قال: «قال: شهود الزور يجلدون حدّا ليس له وقت، وذلك إلى الإمام، ويطاف بهم حتّى يعرفوا فلا يعودوا. قلت له: فإن تابوا وأصلحوا تقبل شهادتهم بعد؟ قال: إذا تابوا تاب اللّه‏ عليهم وقبلت


1 ـ نفس المصدر، الباب 2 منها،ح3،صص15 و 16.

2 ـ نفس المصدر، الباب 14 منها،ح1،ص32.

(10)

 

   
     
         

         
     
   

شهادتهم بعد.»(1)

وقوله: «ليس له وقت» أي عدد معيّن؛ ولذا استدلّ بهذا الحديث على أنـّه ليس للتعزير حدّ، كما حكاه المجلسي رحمه‏الله (2).

الخامس: وقد استعمل لفظ الحدّ في بعض الأخبار في موجب الحدّ، أعني الزنا والسرقة ونحوهما، كخبر السكوني عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «أتي أمير المؤمنين عليه‏السلام برجل أصاب حدّا وبه قروح في جسده كثيرة، فقال أمير المؤمنين عليه‏السلام : أخّروه حتّى يبرأ، لا تنكؤوها(3) عليه فتقتلوه.»(4) ومثله خبر مسمع بن عبدالملك.(5)

وكيف كان، فهل يصحّ أن يقال: إنّ لفظ الحدّ الوارد في هذه الأحاديث، وإن كان كثيرا ما استعمل على وجه الحقيقة في المعنى العامّ، وهو المنع والردّ، إلاّ أنّ كثرة استعماله في العقوبة المعيّنة هو الذي جعله مشهورا فيها بالنسبة إلى سائر المعاني؛ بحيث وصل إلى حدّ الحقيقة أيضا، ولذلك صحّ سلبه عن غير المعيّنة بمثل هذا الاعتبار؟ أم يقال: الصحيح أن يدّعى كونه لم يستعمل في تلك الموارد أيضا إلاّ في معنى العقوبة المطلقة، وأمّا كونها معيّنة أو غير معيّنة فإنّما يعرف من الخارج، وبالتالي فهما مصداقان لها، واستعماله فيهما إنّما هو من باب استعمال الكلّي في مصاديقه، لا أنـّه استعمل في المعيّنة تارة وفي غير المعيّنة أخرى، وحينئذٍ يكون حقيقة في المطلقة؟

الأخير هو الحسن والمطابق لمقتضى الطبع.

نعم، في الموارد التي ذكر فيها الحدّ إلى جانب التعزير، لابدّ أن يكون المراد هو المعيّنة


1 ـ نفس المصدر، الباب 11 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح2،ص376.

2 ـ ملاذ الأخيار،ج16،ص288.

3 ـ نَكَأَ القرحة: قشّرها قبل أن تبرأ.

4 ـ الكافي،ج7،ص244،ح3 ـ وراجع: وسائل الشيعة، الباب 13 من أبواب مقدّمات الحدود،ح4،ج28،ص29.

5 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق،ح6،ص30.

(11)

 

   
     
         

         
     
   

لا المطلقة، كما هو واضح.

ولكنّ المستفاد من كلام صاحب الجواهر رحمه‏الله الترديد في المسألة، حيث قال: «إنّما الكلام في اندراج ما لا مقدّر له شرعا تحت اسم الحدّ ـ الذي هو عنوان أحكام كثيرة في النصوص، كدرء الحدّ بالشبهة، وعدم اليمين في الحدّ، وعدم الكفالة فيه، وللإمام العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار دون البيّنة، وعدم الشفاعة في الحدّ وغير ذلك ـ وعدم اندراجه؛ يحتمل ذلك، لإطلاقه على مطلق العقوبة في كثير من النصوص... ويحتمل العدم كما هو ظاهر الأصحاب هنا، وفي ما لو اعترف بحدّ ولم يبيّنه، لظهور لفظ الحدّ عرفا في المحدود... نعم، لا ينكر إطلاق الحدّ على ما يشمل التعزير أيضا.»(1)

وتظهر ثمرة البحث ـ كما ظهر من عبارة صاحب الجواهر رحمه‏الله ـ بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على الحدود، وأنـّه هل تترتّب هذه الأحكام على ما لا مقدّر له شرعا أم لا؟ بمعنى أنـّه لو قلنا: إنّ الحدّ حقيقة في مطلق العقوبة، وإنّ استعماله في العقوبة المعيّنة، إنّما هو من باب تطبيق الكلّي على مصاديقه، كما هو الحال في الموارد التي ورد الحدّ فيها قسيما للتعزير، أو نُفي الحدّ فيها مع ثبوت العقوبة، فحينئذٍ تثبت الأحكام المذكورة في مطلق العقوبة، حدّا كانت أو تعزيرا.

وأمّا لو قلنا: إنّ الحدّ في الحقيقة هو ما كان مقابل التعزير، فلا تجري الأحكام المذكورة في التعزيرات.

وكذلك الأمر إذا قلنا بأنـّه مشترك لفظيّ بين المعنيين أعني المعيّن والأعمّ، فلا تجري الأحكام في التعزيرات من باب الأخذ بالقدر المتيقّن، إلاّ أنـّه بعيد في الغاية.

أمّا التمسّك بالفحوى وإلغاء الخصوصيّة بدعوى ظهور الأحكام المذكورة في مطلق العقوبات لا المقدّرة منها فقط، ففيه: أنّ الأخذ بها وإن كان صحيحا في بعض الموارد كدرء


1 ـ جواهر الكلام،ج41،صص256 و 257.

(12)

 

   
     
         

         
     
   

الحدّ بالشبهة، وجواز عفو الإمام فيما يثبت بالإقرار، باعتبار أنّ هذه الأحكام إذا ثبتت في الحدّ مع كونه ثقيلاً، فهي كذلك تثبت في التعزير بطريق أولى، لكنّه لا يصحّ في جميع الموارد، من قبيل: عدم الكفالة والشفاعة، وعدم جواز العفو إذا ثبت بالبيّنة؛ وما ذاك إلاّ لأنـّه يمكن أن تكون هذه الأحكام ثابتة في التعزير، باعتبار كونه أخفّ، دون الحدّ لثقله.

والحاصل: أنّ حمل اللفظ المذكور على المعنى الخاصّ ـ أعني العقوبة المعيّنة ـ يحتاج إلى القرينة، ومع عدمها فيحمل على مطلق العقوبة.

الأمر الثالث: في التعزير لغة، كتابا وسنّة

أ ـ التعزير في اللغة

قد يستعمل التعزير في اللوم والتأديب والضرب الشديد والضرب دون الحدّ. وقد يستعمل في ضدّ هذه المعاني فيأتي بمعنى التوقير والتفخيم والتعظيم والإعانة والنصرة، والأصل في معناه هو المنع والردّ.

   قال ابن الأثير: «في حديث المبعث قال ورقة بن نوفل: «إن بُعث وأنا حيّ فسأعزّره وأنصره»، التعزير ههنا الإعانة والتوقير والنصر مرّة بعد مرّة. وأصل التعزير: المنع والردّ؛ فكأنّ من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحدّ: تعزير، لأنـّه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال: عزرته وعزّرته، فهو من الأضداد.»(1)

وقال الفيّومي: «التعزير: التأديب دون الحدّ، والتعزير في قوله تعالى: «وتعزّروه»،


1 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر،ج3،ص228.

(13)

 

   
     
         

         
     
   

النصرة والتعظيم.»(1)

ب ـ التعزير في الكتاب

إنّ من لاحظ آيات القرآن الكريم، يجد أنّ كلمة التعزير وردت في ثلاثة مواضع كلّها بمعنى التعظيم والتفخيم، وهي: «عزّرتموهم»(2) في توقير الأنبياء عليهم‏السلام و «وعزّروه»(3) و «وتعزّروه»(4) في تعظيم‏النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .

ج ـ التعزير في الأخبار

إنّ من يتتبّع الأحاديث الشريفة، يجد فيها أربع طوائف مرتبطة بالتعزير، وهي:

الأولى: ما جاء فيها «التعزير» بمعنى العقوبات غير المعيّنة شرعا، منها:

1 ـ خبر حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحدّ. قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون أربعين، فإنّها حدّ المملوك. قلت: وكم

ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه.»(5)

2 ـ خبر إسحاق بن عمّار، قال: «سألت أبا إبراهيم عليه‏السلام عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطا، ما بين العشرة إلى العشرين.»(6)

3 ـ خبر عبداللّه‏ بن سنان، قال: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الصبيّ يسرق؟ قال: يعفى


1 ـ المصباح المنير،ص407.

2 ـ المائدة(5):12.

3 ـ الأعراف(7):157.

4 ـ الفتح(48):9.

5 ـ وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح3،ج28،ص375.

6 ـ نفس المصدر،ح1.

(14)  

 

   
     
         

         
     
   

عنه مرّة ومرّتين ويعزّر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك.»(1) أقول: قطع الأصابع في الرواية، هل هو من باب التعزير مع أنـّه قد وقع في قبال التعزير، أو لا؟

4 ـ خبر عبداللّه‏ بن سنان، قال: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن رجلين افترى كلّ واحد منهما على صاحبه؟ فقال: يدرأ عنهما الحدّ ويعزّران.»(2)

5 ـ خبر إسماعيل بن الفضل، قال: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الافتراء على أهل الذمّة وأهل الكتاب، هل يجلد المسلم الحدّ في الافتراء عليهم؟ قال: لا، ولكن يعزّر.»(3)

 6 ـ خبر أبي هريرة، قال: «قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : لا تعزّروا فوق عشرة أسواط.»(4) ثمّ إنّه يظهر من ملاحظة هذه الأخبار أنّ الخبر الأوّل هو أصرح حديث في ما نحن بصدده، من جهة وقوع التعزير في قبال الحدّ، وكونهما عنوانين مختلفين، وبيان أنّ أمر التعزير بحسب ما يراه الحاكم.

الثانية: ما وردت فيها كلمة الحدّ وأريد منها التعزير، منها:

1 ـ خبر سماعة، قال: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الرجل يأتي بهيمة، شاة أو ناقة أو بقرة؟ قال: فقال: عليه أن يجلد حدّا غير الحدّ، ثمّ ينفى من بلاده إلى غيرها...»(5)

2 ـ خبر السكوني عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «أتي أمير المؤمنين عليه‏السلام برجل نصرانيّ كان أسلم، ومعه خنزير قد شواه وأدرجه بريحان. قال: ما حملك على هذا؟ قال الرجل:


1 ـ نفس المصدر، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة،ح1،ص293.

2 ـ نفس المصدر، الباب 18 من أبواب حدّ القذف،ح1،ص201.

3 ـ نفس المصدر، الباب 17 منها،ح4،ص200.

4 ـ سنن ابن ماجة، كتاب الحدود، باب التعزير،ج2،صص867 و 868، الرقم 2602.

5 ـ وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم،ح2،ج28،ص357.

(15)

 

   
     
         

         
     
   

مرضت فقرمت إلى اللحم. فقال: أين أنت عن لحم الماعز، فكان خلفا منه؟ ثمّ قال: لو أنـّك أكلته لأقمت عليك الحدّ، ولكنّي سأضربك ضربا فلا تعد، فضربه حتّى شغر ببوله.»(1)

ولا يتوهّم أنّ كلمة الحدّ استعملت هنا بقرينة قوله عليه‏السلام : «ولكنّي سأضربك ضربا» وأيضا بقرينة ضربه عليه‏السلام الرجل حتّى شغر ببوله، بمعناه المصطلح، إذ ليس أكل لحم الخنزير من موارد الحدّ المصطلح عند الفقهاء. أللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الإمام عليه‏السلام عبّر بالحدّ المصطلح تهديدا!

3 ـ خبر محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر عليه‏السلام عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار، وفي استدباره نصف دينار. قال: قلت: جعلت فداك! يجب عليه شيء من الحدّ؟ قال: نعم، خمسة وعشرون سوطا، ربع حدّ الزاني، لأنـّه أتى سفاحا.»(2)

ويظهر للناظر أنـّه قد جمع فيه بين أداء مبلغ الدينار في حالة أو النصف منه في حالة ثانية، وبين ضرب خمسة وعشرين سوطا، وأنـّه لم يعدّ الأوّل حدّا بينما الثاني عدّ منه. فيا ترى، هل كلاهما من أقسام التعزير؟ وإذا كان الحدّ هنا جاء بمعنى التعزير، فيسأل: لم فرّق بينهما؟ أو أنّ الأوّل من أقسام الكفّارة، وأنّ الثاني من أقسام التعزير، وأنّ إطلاق الحدّ عليه لكونه أعمّ منه، أو أنّ الأوّل كفّارة والثاني هو حدّ بمعناه الخاصّ ـ أي العقوبة المعيّنة ـ مع أنّ الأصحاب لم يعدّوه منه؟

4 ـ ما مرّ في الأمر السابق من صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام .(3)

الثالثة: ما ورد فيها ألفاظ أخرى غير التعزير والحدّ بمعناه؛ كالأدب والتأديب والعذاب والتعذيب، منها:


1 ـ نفس المصدر، الباب 7 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح1،صص370 و 371.

2 ـ نفس المصدر، الباب 13 منها،ح1،صص377 و 378.

3 ـ نفس المصدر، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود،ح1،ص11.

(16)

 

   
     
         

         
     
   

1 ـ خبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام أنـّه قال: «آكل الميتة والدم ولحم الخنزير عليهم أدب، فان عاد أدّب. قلت: فإن عاد يؤدّب؟ قال: يؤدّب وليس عليهم حدّ.»(1)

2 ـ خبر أبي بصير، قال: «قلت: آكل الربا بعد البيّنة؟ قال: يؤدّب، فإن عاد أدّب، فإن عاد قتل.»(2)

3 ـ خبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: «سألت أبا الحسن عليه‏السلام عن رجل أتى أهله وهي حائض؟ قال: يستغفر اللّه‏ ولا يعود. قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم، خمسة وعشرون سوطا، ربع حدّ الزاني وهو صاغر، لأنـّه أتى سفاحا.»(3)

ولا يخفى عليك أنّ الأصحاب لم يعدّوا هذه العقوبة من الحدود مع أنـّها معيّنة.

الرابعة: ما جاء فيها بعض مصاديق التعزير كالضرب والنفي والحبس والإهانة وأخذ المال وغيرها، منها:

1 ـ خبر مفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام في رجل أتى امرأته وهي صائمة وهو صائم، قال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، وإن كانت طاوعته [لم يستكرهها(4)] فعليه كفّارة وعليها كفّارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا وضربت خمسة وعشرين سوطا.»(5)

2 ـ خبر عبدالرحمن بن الحجّاج ـ رفعه ـ : «إنّ أمير المؤمنين عليه‏السلام كان لا يرى الحبس إلاّ في ثلاث: رجل أكل مال اليتيم أو غصبه، أو رجل اؤتمن أمانة فذهب بها.»(6)


1 ـ نفس المصدر، الباب 7 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح3،ص371.

2 ـ نفس المصدر،ح2.

3 ـ نفس المصدر، الباب 13 منها،ح2،ص378.

4 ـ الكافي،ج7،ص242،ح12.

5 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق، الباب 12 منها،ح1،ص377.

6ـ نفس المصدر، الباب 5 منها،ح1،ص368.

(17)

 

   
     
         

         
     
   

3 ـ ما مرّ في الطائفة الثانية من خبر سماعة.(1)

 4 ـ وقد مرّ قوله عليه‏السلام في خبر آخر لسماعة: «قال: شهود الزور... يطاف بهم حتّى يعرفوا...»(2)

5 ـ وما ورد من تهديد النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لعمرو بن مُرّة، حيث طلب منه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم الإذن في الغناء من قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : «قم عنّي وتب إلى اللّه‏، أما أنـّك إن فعلت بعد التقدمة إليك، ضربتك ضربا وجيعا، وحلقت رأسك مثلة، ونفيتك من أهلك، وأحللت سَلَبَكَ نهبة لفتيان أهل المدينة.»(3)

هذا، مضافا إلى ما سوف يأتي من الوقائع الواردة في التأديب بغير الضرب.

 

 

الأمر الرابع: في الحدّ والتعزير اصطلاحا

 

قال أبو الصلاح الحلبي رحمه‏الله : «التعزير تأديب تعبّد اللّه‏ سبحانه به لردع المعزّر وغيره من المكلّفين، وهو مستحقّ للإخلال بكلّ واجب، وإيثار كلّ قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحدّ عليه.»(4)

وقال ابن زهرة رحمه‏الله : «واعلم أنّ التعزير يجب بفعل القبيح، أو الإخلال بالواجب الذي لم يرد الشرع بتوظيف حدّ عليه، أو ورد بذلك فيه ولم تتكامل شروط إقامته.»(5)

وقال الشهيد الثاني رحمه‏الله : «الحدود جمع حدّ. وهو لغة: المنع... وشرعا: عقوبة خاصّة


1 ـ نفس المصدر، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم،ح2،صص357 و 358.

2 ـ نفس المصدر، الباب 11 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح2،ص376.

3 ـ سنن ابن ماجة، كتاب الحدود، باب المخنّثين،ج2،ص872، الرقم 2613.

4 ـ الكافي في الفقه،صص416 و 417.

5 ـ غنية النزوع،ص435.

(18)

 

   
     
         

         
     
   

تتعلّق بإيلام البدن بواسطة تلبّس المكلّف بمعصية خاصّة، عيّن الشارع كمّيّتها في جميع أفراده. والتعزير لغة: التأديب، وشرعا: عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا.»(1) وقد تلقّاه بالقبول الشيخ محمد حسن النجفي رحمه‏الله .(2)

ولم نعثر على تعريفهما في كتب قدماء الأصحاب، مثل المقنع والنهاية والخلاف والمبسوط والوسيلة لابن حمزة رحمه‏الله وغيرها.

وأمّا من العامّة فقال أبو الحسن الماوردي: «والتعزير: تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه، وهو أنـّه تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ثلاثة أوجه...»(3) وبمثله قال أبو يعلى الفرّاء.(4)

وقال ابن قدامة الكبير: «التعزير: هو العقوبة المشروعة على جناية لا حدّ فيها، كوط‏ء الشريك الجاريةَ المشتركة... يسمّى تعزيرا لأنـّه منع من الجناية، والأصل في التعزير المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة، لأنـّه منع لعدوّه من أذاه.»(5) وبمثله قال ابن قدامة الصغير.(6)

وقال في الفقه على المذاهب الأربعة: «الحدود: وقد عرّف الفقهاء الحدّ بأنـّه عقوبة مقدّرة حقّا للّه‏ تعالى، فمتى علم الحاكم بمجرم استحقّ عقوبة الحدّ، فإنّه يجب عليه التنفيذ، ولا يملك العفو عنه... التعزير: وهو تأديب على ذنب لا حدّ فيه ولا كفّارة له.»(7)


1 ـ مسالك الأفهام،ج14،ص325.

2 ـ جواهر الكلام،ج41،ص254.

3 ـ الأحكام السلطانيـّة،ج2،ص236.

4 ـ نفس المصدر،ج1،ص279.

5 و 6 ـ المغني ويليه الشرح الكبير،ج10،ص347.

7 ـ الفقه على المذاهب الأربعة،ج5،صص8 و 9.

(19)

 

   
     
         

         
     
   

وقال وهبة الزحيلي: «والحدّ في الشرع في اصطلاح الحنفيّة، عقوبة مقدّرة واجبة حقّا للّه‏ تعالى فلا يسمّى التعزير حدّا، لأنـّه ليس بمقدّر، ولا يسمّى القصاص أيضا حدّا، لأنـّه وإن كان مقدّرا لكنّه حقّ العباد فيجري فيه العفو والصلح. وسمّيت هذه العقوبات حدودا لأنـّها تمنع من الوقوع في مثل الذنب... والحدّ في اصطلاح الجمهور غير الحنفيّة: عقوبة مقدّرة شرعا، سواء أكانت حقّا للّه‏ أم للعبد.»(1)

وقال أيضا: «الأصل في التعزير لغة: المنع... وهو شرعا: العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لا حدّ فيها ولا كفّارة، سواء أكانت الجناية على حقّ اللّه‏ تعالى، كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة في رأي الجمهور، والربا، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس، ونحوها، أم على حقّ العباد كمباشرة الأجنبيّة فيما دون الفرج، وسرقة ما دون النصاب، أو السرقة من غير حرز...»(2)

وقال عبدالقادر عودة: «والحدّ: هو العقوبة المقرّرة حقّا للّه‏ تعالى، أو هو العقوبة المقرّرة لمصلحة الجماعة، وحينما يقول الفقهاء: إنّ العقوبة حقّ للّه‏ تعالى، يعنون بذلك أنـّها لا تقبل الإسقاط من الأفراد ولا من الجماعة، وهم يعتبرون العقوبة حقّا للّه‏ كلّما استوجبتها المصلحة العامّة، وهي رفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.»(3)

وقال أيضا: «التعزير: هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود؛ أي: هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لأيّها عقوبة مقدّرة. والتعازير هي مجموعة من العقوبات غير المقدّرة تبدأ بأتفَه العقوبات، كالنصح والإنذار، وتنتهي بأشدّ العقوبات، كالحبس والجلد، بل قد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بينها العقوبة الملائمة


1 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته،ج6،ص12.

2 ـ نفس المصدر،ص197.

3 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،صص634 و 635.

(20)

 

   
     
         

         
     
   

للجريمة ولحال المجرم ونفسيّته وسوابقه.»(1)

ثمّ إنّه ينبغي التنبيه هنا على مطلبين:

المطلب الأوّل: في نقد تعريف المحقّق رحمه‏الله للحدّ والتعزير

قد اعترض على مقولة المحقّق رحمه‏الله الآنفة الذكر باعتراضات، منها:

أ ـ إنّ الحدّ والتعزير اسمان لنفس العقوبة لا لما فيه العقوبة.

ب ـ إنّ تعريفه للحدّ غير مطّرد، إذ كلّ من القصاص والديات عقوبة مقدّرة وليسا بحدّ وكذلك الكفّارات.

وتقييد التعريف بـ «حقّ اللّه‏» لا يدفع الإشكال، لبقاء المحذور في الكفّارات، والنقض أيضا بحدّ القذف حيث إنّه من حقوق الناس.

ج ـ عدم ذكر قيد «غالبا» في تعريف التعزير؛ قال الشهيد الثاني رحمه‏الله في هذا المجال: «تقدير الحدّ شرعا واقع في جميع أفراده كما أشرنا إليه سابقا. وأمّا التعزير فالأصل فيه عدم التقدير، والأغلب في أفراده كذلك، لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده، وذلك في خمسة مواضع، الأوّل: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان مقدّر بخمسة وعشرين سوطا(2). الثاني: من تزوّج أمة على حرّة ودخل بها قبل الإذن، ضرب اثنا عشر سوطا ونصفا، ثُمن حدّ الزاني(3). الثالث: المجتمعان تحت إزار واحد مجرّدين، مقدّر


1 ـ نفس المصدر،ص685.

2 ـ وسائل الشيعة، الباب 12 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح1،ج28،ص377.

3 ـ نفس المصدر، الباب 49 من أبواب حدّ الزنا، ح1،ص151؛ وما ذكره موافق لنقل الكليني في الكافي، ج7،ص241،ح8؛ والموجود في تهذيب الأحكام،ج10،ص144،ح572 ومن لا يحضره الفقيه،ج3،ص269،ح1279: «تزوّج ذمّيّة على مسلمة» بدل: «أمة على مسلمة».

(21)

 

   
     
         

         
     
   

بثلاثين إلى تسعة وتسعين على قول(1). الرابع: من افتضّ بكرا بإصبعه(2)، قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة وسبعين(3)، وقال المفيد: من ثلاثين إلى ثمانين(4)، وقال ابن إدريس: من ثلاثين إلى تسعة وتسعين(5). الخامس: الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد أو إزار مجرّدين، يعزّران من عشرة إلى تسعة وتسعين(6)، قاله المفيد(7)، وأطلق الشيخ التعزير(8)، وقال في الخلاف: روى أصحابنا فيه الحدّ(9). ولقائل أن يقول: ليس من هذه مقدّر سوى الأوّلين، والباقي يرجع فيما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره، وإن لم يتحدّد في طرفيه بما ذكر.»(10)

ويرد على ما قاله الشهيد الثاني رحمه‏الله بالأمور التالية:

أوّلاً: إنّه يلزم من أخذ قيد «غالبا» في تعريف التعزير، تداخل حدّ الحدّ والتعزير.

وثانيا: إنّ ظاهر كلامه ورود الروايات في المواضع الخمسة كلّها، مع أنـّه لم يرد في الثلاثة الأخيرة روايات تدلّ على ما ذكر، بل كما صرّح هو رحمه‏الله أنـّها متّخذة من كلمات


1 ـ وسائل الشيعة، المصدر السابق، الباب 10 منها،ح18 و 21،صص89 و 90.

2 ـ نفس المصدر، الباب 39 منها،صص144 و 145؛ والباب 4 من أبواب حدّ السحق والقيادة،صص170 و 171.

3 ـ النهاية،ص699؛ ولكن فيه: «تسعة وتسعين» بدل: «سبعة وسبعين»؛ وفي نكت النهاية،ج3،ص297: «تسعة وسبعين»؛ وفي جواهر الكلام،ج41،ص371 نقلاً عن الشيخ: «سبعة وتسعين».

4 ـ المقنعة،ص785.

5 ـ كتاب السرائر،ج3،ص449.

6 ـ وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا،ح3 و 19،ج28،صص85 و 89.

7 ـ المقنعة،ص774.

8 ـ النهاية،صص689 و 690.

9 ـ كتاب الخلاف،ج5،ص373، مسألة 9؛ وفيه: «روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة أجنبيّة يقبّلها ويعانقها في فراش واحد، أنّ عليهما مائة جلدة وروي ذلك عن عليّ عليه‏السلام .»

10 ـ مسالك الأفهام،ج14،صص326 و 327.

(22)

 

   
     
         

         
     
   

الفقهاء؛ فمثلاً إنّ المذكور في روايات «من افتضّ بكرا بإصبعه» أنـّه يجلد ثمانين جلدة(1)، وليس في رواية أنـّه يعزّر من ثلاثين إلى سبعة وسبعين أو إلى ثمانين أو إلى تسعة وتسعين.

وثالثا: إنّه لا تنحصر المواضع بالخمسة المذكورة، بل يمكن أن توجد موارد أخرى؛ مثل ما ورد في رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: «سألت أبا الحسن عليه‏السلام عن رجل أتى أهله وهي حائض؟ قال: يستغفر اللّه‏ ولا يعود. قلت فعليه أدب؟ قال: نعم خمسة وعشرون سوطا، ربع حدّ الزاني وهو صاغر، لأنـّه أتى سفاحا.»(2) ونحوه رواية محمّد بن مسلم.(3) ومثل ما ورد عن عبيد بن زرارة، قال: «سمعت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام يقول: لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزنا لا نعلم منه إلاّ خيرا، لضربته الحدّ، حدّ الحرّ إلاّ سوطا.»(4) حيث إنّ المراد بالحدّ الأوّل فيه هو التعزير، إذ يشترط في حدّ القذف المصطلح حرّيّة المقذوف، والشاهد على ذلك موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «من افترى على مملوك عزّر لحرمة الإسلام.»(5)

ورابعا: إنّ ما ذكره في آخر كلامه لو كان صحيحا لكانت عقوبة المحارب حينئذٍ تعزيرا، لأنّ عقوبته دائرة بين أمور ثلاثة تعيينها منوط بيد الحاكم.

وكيف كان أقول منبّها بأنّ مثل هذا التفريق المذكور في كلام المحقّق رحمه‏الله بين الحدّ والتعزير، ليس ممّا صرّح به في الأحاديث المستدلّ بها، كما أنـّه ليس ذلك مقتضى الجمع


1 ـ وسائل الشيعة، الباب 39 من أبواب حدّ الزنا،ج28،صص144 و 145؛ والباب 4 من أبواب حدّ السحق والقيادة،صص170 و 171؛ والباب 3 من أبواب النكاح المحرّم،ج20،ص316.

2 ـ نفس المصدر، الباب 13 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح2،ج28،ص378.

3 ـ نفس المصدر،ح1،صص377 و 378.

4 ـ نفس المصدر، الباب 4 من أبواب حدّ القذف،ح2،ص178.

5 ـ نفس المصدر،ح12،صص181 و 182.

(23)

 

   
     
         

         
     
   

بينها أيضا، بل الذي ورد في الروايات الشريفة أنّ عقوبة التعزير دون الحدّ وأنّ أمره إلى الحاكم كما مرّ في خبر حمّاد(1)، أو أنـّه بيد الإمام كما مرّ في خبر سماعة(2).

المطلب الثاني: في الفروق المذكورة بين الحدّ والتعزير

توجد جهات أخرى للفرق بين الحدّ والتعزير بحسب الأحكام الجارية فيهما في كلمات الفقهاء، نشير هنا إلى ما ذكره الشهيد رحمه‏الله تتميما للبحث. قال: «فائدة :يفرق بين الحدّ والتعزير من وجوه عشرة، الأوّل: عدم التقدير في طرف القلّة، لكنّه مقدّر في طرف الكثرة بما لا يبلغ الحدّ. وجوّزه كثير من العامّة... الثاني: استواء الحرّ والعبد فيه. الثالث: كونه على وفق الجنايات في العظم والصغر، بخلاف الحدّ، فإنّه يكفي فيه مسمّى

الفعل... الرابع: إنّه تابع للمفسدة وإن لم يكن معصية، كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم، وبعض الأصحاب يطلق على هذا التأديب... الخامس: إذا كانت معصية حقيرة لا تستحقّ من التعزير إلاّ الحقير وكان لا أثر له البتّة فقد قيل: لا يعزّر، لعدم الفائدة بالقليل وعدم إباحة الكثير. السادس: سقوطه بالتوبة، وفي بعض الحدود الخلاف، والظاهر أنـّه إنّما يسقط بالتوبة قبل قيام البيّنة. السابع: دخول التخيير فيه بحسب أنواع التعزير، ولا تخيير في الحدود إلاّ في المحاربة. الثامن: اختلافه بحسب الفاعل والمفعول والجناية، والحدود لا تختلف بحسبها. التاسع: لو اختلفت الإهانات في البلدان روعي في كلّ بلد عادته. العاشر: إنّه يتنوّع إلى كونه على حقّ اللّه‏ تعالى، كالكذب، وعلى حقّ العبد محضا، كالشتم، وعلى حقّهما، كالجناية على صلحاء الموتى بالشتم. ولا يمكن أن يكون الحدّ تارة لحقّ اللّه‏ وتارة لحقّ الآدميّ، بل الكلّ حقّ اللّه‏ تعالى، إلاّ القذف على خلاف.»(3)


1 ـ نفس المصدر، الباب 10 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح3،ج28،ص375.

2 ـ نفس المصدر، الباب 11 منها،ح1 و 2،ص376.

3 ـ القواعد والفوائد،ج2،صص142 - 144.

(24)

 

   
     
         

         
     
   

وقد تعرّض لهذه الفروق إلاّ الثاني منها، الدكتور وهبة الزحيلي(1) أيضا، وأشار إلى بعضها الدكتور عبدالقادر عودة(2)، وأبوالحسن الماوردي(3)، وأبو يعلى الفرّاء(4).

وقد تعرّض الماوردي لمفاد الفرق الثامن بما هذا نصّه: «... إنّ تأديب ذي الهيبة من أهل الصيانة أخفّ من تأديب أهل البذاء والسفاهة، لقول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» فتدرّج في الناس على منازلهم، فإن تساووا في الحدود المقدّرة، فيكون تعزير من جلّ قدره بالإعراض عنه، وتعزير من دونه بالتعنيف له، وتعزير من دونه بزواجر الكلام...»(5)

وقال الدكتور عبدالقادر عودة أيضا: «عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ينظر فيها إلى الجريمة، ولا اعتبار فيها لشخصيّة المجرم، أمّا التعازير فينظر فيها إلى الجريمة وإلى شخص المجرم معا.»(6)

وقد مرّ في خبر حمّاد عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال: «قلت له: كم التعزير؟... قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه.»(7)

وتعرّض الدكتور وهبة الزحيلي لمفاد الفرق التاسع بما هذا نصّه: «التاسع: مراعاة مكان الجريمة وزمانها. إنّ التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فربّ تعزير في


1 ـ الفقه الإسلامى وأدلّته،ج6،صص18 - 22.

2 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،صص686 و 687.

3 ـ الأحكام السلطانيـّة،ج2،صص236 - 238.

4 ـ نفس المصدر،ج1،صص279 - 282.

5 ـ نفس المصدر،ج2،ص236.

6 ـ التشريع الجنائيّ الإسلاميّ،ج1،ص687.

7 ـ وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات،ح3،ج28،ص375.

(25)

 

   
     
         

         
     
   

بلاد يكون إكراما في بلد آخر.»(1)

وقد نقل عن الشافعي فرق آخر بينهما وهو: أنّ ما يحدث عن الحدّ من التلف هدر، لكن إن حصل تلف من التعزير فإنّه يوجب الضمان. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد.(2)


1 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته،ج6،ص22.

2 ـ المغني ويليه الشرح الكبير،ج10،ص349 ـ الفقه الإسلاميّ وأدلّته، المصدر السابق.

(26)